هستيريا تجتاح الإعلام الأميركي ودعاة مواجهة روسيا بعد قمة ترامب بوتين

واشنطن- "القدس" دوت كوم- سعيد عريقات- أصاب هوس جنوني الإعلام الأميركي خلال الـ 48 ساعة الماضية، خاصة بعد المؤتمر الصحفي الذي عقده الزعيمان الأميركي دونالد ترامب والروسي فلادمير بوتين في ختام قمتهما بمدينة هيلسنكي الفنلندية، التي وضعت الصحفيين الأميركيين خارج نطاق السيطرة.

وشهدت محطات التلفزة الأميركية حركة غير مسبوقة، خاصة شبكات "سي.إن.إن" و "إم.إن.إس.بي.سي" وفضائيات اخرى، وازدحمت برامجها بالعديد من الخبراء والمختصين الذين أجمعوا على ان الرئيس الأميركي ترامب "استسلم استسلاما غير مشروط لنظيره الروسي، وأهان الولايات المتحدة، وأعطى الأعداء الروس انتصارا غير مسبوق لم يكونوا يحلموا به، لو أن الرئيس الروسي لم يكن بحوزته ممسك مروع على ترامب".

وتعددت التأويلات بشأن طبيعة ممسك الابتزاز المفترض الذي يملكه الرئيس الروسي على نظيره الأميركي ترامب ما بين الفضائح الجنسية، والفساد المالي وما بينهما من فضائح.

ويشهد المزاج الأميركي العام عداء غير مسبوقا تجاه روسيا والرئيس بوتين، بسبب ما يعتبرونه تدخلا روسيا في الشؤون الديمقراطية الأميركية وانتخابات عام 2016 لصالح ترامب وضد المرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون، وبسبب "احتلال القرم" والوجود والدور الروسي في سوريا.

وأشعلت تصريحات ترامب "الودية" تجاه نظيره الروسي بوتين خلال قمة هلسنكي عاصفة من الانتقادات في الأوساط الأميركية التي وصفت موقف ترامب بالضعف و"الخيانة"، إذ رفض الرئيس الأميركي أن يوجه أي انتقاد للسياسة الروسية، وأرجع سبب تدهور العلاقات بين البلدين الى "سنوات عديدة من الحماقة والغباء الأميريكي".

وأثار أداء ترامب في المؤتمر الصحفي بعد القمة موجة انتقادات في الولايات المتحدة، إذ يسعى البيت الأبيض منذ أشهر لنفي الحديث المتداول بأن ترامب غير مستعد للوقوف في وجه بوتين.

وانتقد مدير سابق للمخابرات المركزية الأميركية أداء ترامب ووصفه بأنه "خيانة"، كما وندد به سناتور جمهوري ونعته بانه "مشين"، لكن جمهوريين آخرين كانوا أكثر تحفظا.

وقال مدير المخابرات المركزية السابق جون برينان انه يجب عزل ترامب من منصبه.

وأضاف "أداء دونالد ترامب في المؤتمر الصحفي في هلسنكي يبلغ حد /الجريمة الكبرى والإثم/. لم يكن هذا أقل من الخيانة. لم يكن ترامب معتوها في تصريحاته فحسب، بل كان بأكمله في جيب بوتين. أيها الجمهوريون الوطنيون: أين أنتم؟".

وعندما سئل ترامب عما إذا كان يثق في أجهزة المخابرات الأميركية التي أوضحت أن روسيا تدخلت في انتخابات عام 2016 لمساعدته في هزيمة المرشحة الديمقراطية هيلاري كلنتون، قال ترامب إنه ليس مقتنعا.

وقال ترامب "لا أرى سببا للاعتقاد بأنها" روسيا، وأضاف "الرئيس بوتين كان قويا للغاية وحاسما في نفيه اليوم".

وردا على ذلك، قال مدير المخابرات الوطنية الأميركية (الحالي) دان كوتس في بيان "كنا واضحين في تقييمنا بشأن التدخل الروسي في انتخابات 2016 وبشأن جهودهم المتواصلة والواسعة لتقويض ديمقراطيتنا، وسوف نستمر في تقديم تقييمات مخابراتية واضحة وموضوعية دعما لأمننا القومي".

وبعد ساعات من قمة هلسنكي، قال ترامب على تويتر "لدي ثقة كبيرة في رجال مخابراتي".

يشار إلى أنه وقبل بدء القمة وجه ترامب اللوم لبلاده في تدهور العلاقات بين البلدين، ولم يوجه انتقادا واحدا لروسيا.

وقال "علاقاتنا مع روسيا لم تكن قط بمثل هذا السوء، ويرجع ذلك لسنوات عديدة من الحماقة والغباء الأمريكي، والآن هذه الحملة الظالمة المصطنعة".

وسجلت وزارة الخارجية الروسية إعجابها بهذه التغريدة على تويتر وردت عليها بالقول "نتفق معكم".

وسئل ترامب إن كان اللوم يلقى على عاتق روسيا في تدهور العلاقات، فقال قبل أن يتحول بالنقاش إلى فوزه في الانتخابات، "أحمل البلدين المسؤولية. أعتقد أن الولايات المتحدة اتسمت بالحماقة. كنا جميعا حمقى". وأضاف "هزمت هيلاري كلينتون بسهولة وهزمناها تماما.. فزنا في ذلك السباق ومن العار أن تكون هناك أي شبهة ولو بسيطة في ذلك".

وتتناقض كلمات الود المتكررة لترامب تجاه روسيا مع تصريحاته الأسبوع الماضي، التي انتقد فيها حلفاء تقليديين للولايات المتحدة خلال قمة حلف شمال الأطلسي وزيارة بريطانيا. وحين سئل إن كان بوتين خصما، قال "في الواقع أنا أصفه بالمنافس والمنافس الجيد، وأعتقد أن كلمة منافس هي مديح".

من جهته قال السناتور الجمهوري لينزي جراهام، إن أداء ترامب سيبعث برسالة "ضعف" إلى موسكو.

وأضاف جراهام على تويتر "أضاع الرئيس ترامب فرصة لمحاسبة روسيا على التدخل في انتخابات عام 2016 وتوجيه تحذير قوي يتعلق بالانتخابات القادمة. ستنظر روسيا إلى رد ترامب على أنه دلالة على الضعف ،وهذا الرد يخلق مشكلات أكثر مما يحل".

وقال جيف فليك وهو سناتور من أريزونا وأحد المنتقدين الدائمين لترامب، "لم أعتقد أبدا أنني سأرى اليوم الذي يقف فيه رئيسنا الأميركي على المنصة مع الرئيس الروسي، ويوجه اللوم للولايات المتحدة وليس للعدوان الروسي. هذا أمر مشين".

وقالت نانسي بيلوسي زعيمة الديمقراطيين في مجلس النواب على تويتر، "في كل يوم أسأل نفسي: ما الذي يمسكه الروس على دونالد ترامب شخصيا، هل هي أمور مالية أم سياسية؟ والإجابة على هذا السؤال هي الشيء الوحيد الذي يفسر سلوكه ورفضه للوقوف أمام بوتين".

ودعا زعيم الديمقراطيين في مجلس الشيوخ تشاك شومر إلى أن يبذل الحزبان جهدا "لزيادة" العقوبات على موسكو.

كما وامتنع ترامب أيضا عن توجيه انتقادات علنية لضم روسيا منطقة القرم عام 2014، وهو ما يمثل انتصارا جيوسياسيا آخر لبوتين ضد جهود الغرب لفرض عزلة عليه.

ولم يكن الإعلام المكتوب أكثر رحمة على ترامب، فقد نشرت نشرت صحيفة "نيويورك تايمز" افتتاحية تحت عنوان "لماذا لا يتحدث دونالد ترامب بلسان الولايات المتحدة؟" استهلتها قائلة إنه "حتى خلال فترة رئاسة مليئة باللحظات المدمرة بالنسبة للولايات المتحدة، تتميز التصريحات التي أدلى بها الرئيس الأميركي دونالد ترامب يوم الاثنين، والتي تم بثها مباشرة في جميع أنحاء العالم، عن سائر تصريحاته. فخلال مؤتمر صحافي عُقد بعد اجتماعه في هلسنكي بفنلندا مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، أشار أحد المراسلين إلى عريضة الاتهام التي صدرت الأسبوع الماضي بحق 12 مسؤولاً عسكرياً روسياً لمسؤوليتهم عن الهجوم الإلكتروني المنسق على انتخابات الرئاسة الأمريكية لعام 2016، وسأل ترامب عما إذا كان يُحمِّل روسيا المسؤولية. وأجاب ترامب قائلاً، /أُحمِّل كلا البلدين المسؤولية/".

واضافت "لقد كان من الصعب استيعاب هذا المشهد: ترامب، وهو يقف على بعد سنتيمترات من السفاح المستبد الذي يسرق الأراضي ويقتل خصومه، ويقوض النتيجة التي توصلت إليها وكالاته الاستخباراتية والقانونية بالإجماع بأن الحكومة الروسية تدخلت في انتخابات عام 2016 بهدف مساعدة ترامب على الفوز. إذ قال ترامب إنه لا يرى أي سبب لاعتبار روسيا مسؤولة عن ذلك الهجوم على الديمقراطية الأمريكية، واصفاً التحقيق الذي يجريه المحقق الخاص حول روسيا بأنه /كارثة لبلدنا/".

وقال الصحيفة أن كبار الجمهوريين شعروا من جانبهم بالحاجة الى الرد، حيث قال بول رايان، رئيس مجلس النواب الأميركي، إنه "يجب على الرئيس أن يسعد بحقيقة أن روسيا ليست حليفتنا... فلا يوجد تكافؤ أخلاقي بين الولايات المتحدة وروسيا، التي لا تزال معادية لقيمنا ومبادئنا الأساسية" فيما قال ميتش ماكونيل، زعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ، إن "الروس ليسوا أصدقائنا، وأنا أؤمن تماماً بتقييم وكالاتنا الاستخباراتية".

أما السيناتور جون ماكين فقد كان أكثر صراحة، حيث قال "لم يسبق لأي رئيس سابق التحقير بهذا الشكل المهين أمام حاكم طاغية".

ومن جانبه، أقر بوتين بسعادة أنه كان يريد لترامب الفوز في الانتخابات لأنه "تحدث عن إعادة العلاقة بين الولايات المتحدة وروسيا إلى وضعها الطبيعي". وعرض بوتين أن تتعاون أجهزة الاستخبارات الروسية مع نظيراتها الأميركية على سبر غور قضية التدخل، بشرط السماح للسلطات الروسية باستجواب مسؤولي الاستخبارات الأمريكية أيضاً -وهو ما وصفه ترامب بأنه "عرض رائع".

ويقول ترامب، إنه يريد إحياء العلاقة مع روسيا التي تدهورت بشدة في عهد الرئيس باراك أوباما.

وأعلن بيانه الافتتاحي للصحافيين عن هدف مواصلة الدبلوماسية الأميركية الجريئة مؤكداعلى أن "الدبلوماسية والمشاركة أفضل من الصراع والعداء".

وقد تكون مثل هذه الأهداف منطقية من الناحية النظرية، لكن يبدو أن ترامب يجهل بشكل متعمد السبب الذي جعل كبار مستشاريه للأمن القومي يحددون روسيا كواحدة من أبرز خصوم الولايات المتحدة الجيو استراتيجيين، إلى جانب الصين.

وتلفت الصحيفة إلى أن سبب إحجام الرئيس ترامب، على عكس أي من أسلافه الجمهوريين أو الديمقراطيين، عن انتقاد "الغدر" الروسي ما يزال لغزاً. فلا يمتنع ترامب عن توجيه الانتقادات عندما يكون بصحبة الحلفاء الأوروبيين، ولا عندما يتحدث عن وسائل الإعلام التي يصفها بأنها "أعداء الشعب". ولكنه يتحول إلى شخص حليم فور وقوفه بجوار بوتين وغيره من الحكام المستبدين.

يشار إلى أن الباحث الإسرائيلي في الشؤون الأميركية أبراهام بن تسافي، قال إن إسرائيل هي الرابح الأكبر مما وصفها الصفقة التي يجري إبرامها بين الرئيسين الأميركي دونالد ترامب والروسي فلاديمير بوتين.

وأضاف في مقال بصحيفة "معاريف" الاسرائيلية انه وفي حين يسعى ترامب للحصول من بوتين على مساعدته بمحاربة الإرهاب، وتحقيق الاستقرار في سوريا، وتوفير الأمن لإسرائيل، فإن واشنطن ستسلم لموسكو ضم نصف جزر القرم إلى حدودها.