الصين تنخرط سياسيا في الشرق الأوسط حفاظا على مصالحها الاقتصادية

أنقرة - "القدس" دوت كوم - ( الأناضول)- فتح تعهد الرئيس الصيني، تشي جين بينغ، يوم الثلاثاء الماضي بتقديم قروض ومساعدات إنسانية بقيمة 23 مليار دولار لدول عربية، تساؤلات بشأن الأهداف السياسية أو الاقتصادية لها.

فقد قال تشي أمام مؤتمر شارك به ممثلو 22 دولة عربية، في العاصمة الصينية بكين، ان القروض ستخصص لـ»مشاريع ستوفر فرص عمل جيدة وسيكون لها تأثير اجتماعي إيجابي في دول عربية تحتاج إلى إعادة إعمار».

وفسر محللون سياسيون هذا التعهد بضخ المليارات بأنه خطوة تهدف إلى زيادة وتعزيز النفوذ الصيني في المنطقة.

وفي هذا السياق، قال ألطاي أطلي، وهو محاضر في جامعة كوتش في اسطنبول ان «مصلحة الصين تتمثل في دعم دول الشرق الأوسط، التي تشهد تقلبات مستمرة بسبب الحروب والإرهاب». وأضاف أن «الصين تنتج فقط نصف احتياجاتها من النفط والغاز، لذلك تشتري الصين النصف الآخر من الشرق الأوسط، ومن هنا تبذل جهودا من أجل أن تكون لها كلمة في مجريات الأحداث في المنطقة».

وقال أيضا «الصين كانت تركز في الماضي فقط على الجوانب الاقتصادية في سياستها تجاه الشرق الأوسط، لكن تغيرت الأمور بعد الربيع العربي عام 2011، حيث وجدت الصين نفسها معزولة عن المنطقة من حيث الاقتصاد.

وأضاف «الصين تواصل مساعداتها واستثماراتها للمنطقة خلال فترة تشهد تقلبات اقتصادية هناك.. وبينما تفعل ذلك، فإنها ترغب بالانضمام إلى عملية التأثير السياسي، من خلال إبداء الرأي في السياسة والاقتصاد بالشرق الأوسط، والذي سيعاد تشكيله مرة أخرى».

وزاد المحاضر التركي «الصين لم ترسل قوات أو مقاتلات إلى المنطقة، رغم أنها تفكر بنفس طريقة روسيا.. تريد الصين الحفاظ على وجودها في نطاق مشروع الحزام والطريق، فهي تستخدم الوجود الاقتصادي بدلا من التدخل العسكري».

وأطلق الرئيس الصيني تشي جين بينغ مبادرة «الحزام والطريق»، وتسمى أيضا «طريق الحرير» عام 2013، وانخرط فيها لغاية الآن أكثر من 100 بلد ومنظمة دولية وإقليمية.

وتهدف المبادرة إلى دعم الاستثمارات والشراكة والتعاون في مختلف المجالات بين الشرق والغرب، في إطار مقاربة تقوم على تبادل المصالح المشتركة.

وتتطلع الصين، من خلال المشروع، إلى إشراك 65 دولة تحصي 5.4 مليارات نسمة (70 في المئة من سكان العالم)، وتستاثر بـ55 في المئة من الناتج الخام في العالم.

ورأى بعض الخبراء الصينيون أن تعهدات الصين بتقديم قروض لدول في لمنطقة قد تعزز دورها في المنطقة. كما أشاروا إلى أنه يجب النظر إلى هذه الخطوة على أنها طبيعية بالنظر إلى أن الصين بها مسلمون يبلغ عددهم 20 مليون نسمة.

ويقول خبراء صينيون أنه من منطلق إقامة الصين علاقات وثيقة مع تسع دول عربية عبر «مبادرة الحزام والطريق»، ستجد الصين طرقا «عملية» للمساهمة في حل المشاكل الحالية في المنطقة. ويشددون على أن ضمان الأمن والسلامة، يجب أن تكون له الأولوية في المنطقة، التي تعاني من النزاعات والحروب الأهلية.

وحذروا من أن المصالح الوطنية للصين قد تتعرض للخطر إذا ما تم قطع مصادر النفط أو طرق التجارة فجأة.

يقول جوست هيلترمان، مدير برنامج الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في المجموعة الدولية للأزمات، ان الصين اضطلعت في الماضي بدور مالي واقتصادي في المنطقة، مع الابتعاد عن القضايا السياسية.

وأضاف «إذا كان الوضع الأمني يضع المصالح التجارية والاستثمارات الصينية في خطر، فإن بكين، في النهاية، لن يكون لها خيار آخر سوى التدخل العسكري.. وستكون هذه فترة عصيبة ستتخذ فيها بكين بعض القرارات الصعبة». وتابع: «مثل تلك القرارات ستجعل للصين بعض الأصدقاء، لكنها ستصنع أيضا بعض الأعداء».

وخلال المؤتمر الذي شارك به ممثلو 22 دولة عربية، تعهدت بكين بتقديم قروض ومساعدات إنسانية، من بينها 91 مليون دولار سيتم إرسالها إلى سوريا واليمن والأردن وفلسطين ولبنان.

وقال الرئيس الصيني «يتعين على بكين والدول العربية، خلق التضافر في الجهود لإظهار استراتيجيات تقدمية، سعيا للتحديث»، مشيرا إلى أنه سيتم التعهد بمبلغ منفصل قدره 151 مليون دولار لمشاريع المساعدات.

كما أكد تشي على أن بكين تسعى إلى زيادة التعاون، في مجالات مثل مصادر الطاقة المتجددة والهيدروكربونات. وقال «الصين ترغب في الانضمام إلى الدول العربية، بهدف دعم التنمية المشتركة، باعتبارها داعما للسلام والاستقرار، وتدعو إلى المساواة والعدالة».

ونظرا للاحتياطيات الضخمة من النفط التي تتمتع بها دول في الشرق الأوسط، أصبحت المنطقة مغناطيسا للموردين الرئيسيين للصين.

ولم تدفع التحولات في ديناميات الطاقة الجيوسياسية حكام الصين إلى زيادة وجودهم في المنطقة فقط، لكن سعى المنتجون الخليجيون تدريجيا أيضا للاستفادة من القوة العالمية المتزايدة للصين.

ومع تزايد اعتماد الصين، أكبر مستهلك للنفط في العالم، على البلاد العربية في توفير احتياجاتها من النفط، تغير مع مرور الوقت دور الابتعاد وعدم التدخل الذي اتخذته بكين في المنطقة سابقا.

وبخلاف تأمين النفط لاحتياجاتها، فإن الصين لديها أسباب متعددة لتعزيز موقفها في الشرق الأوسط، بدءا من زيادة معدلات التجارة ونقل الأسلحة وصولا إلى الفوائد الجيوسياسية وغيرها من المزايا النقدية.

ورغم امتلاك الصين واحدا من أكبر احتياطيات النفط في آسيا، فإن الإنتاج المحلي لم يكن كافيا لمواجهة الزيادة المفاجئة في الطلب، ومن ثم يأتي حوالي ثلثي إمدادات النفط الصينية من الشرق الأوسط بما في ذلك السعودية وإيران والعراق.

وتعززت العلاقات بين السعودية والصين منذ 2001 بعد هجمات 11 سبتمبر/أيلول.

وبفضل رغبة السعودية في تنويع تحالفاتها العالمية، زادت التجارة بين الطرفين بمقدار عشرة أضعاف في الفترة من 2002 إلى 2012 لتصل إلى 74 مليار دولارا.

وعلى الرغم من التردد السابق للشركات النفطية الصينية في الاستثمار في المنطقة، ازداد عدد العقود الموقعة في العراق وإيران لتطوير حقول النفط الكبيرة.

وأصبحت شركة النفط الوطنية الصينية أحد أكبر المستثمرين في صناعة النفط بعد الحرب في العراق.

وحاليا تملك شركات نفط صينية أكثر من 20 في المئة من مشاريع قطاع النفط قبل الإنتاج (المنبع) في العراق. وفي 2013 وقعت الصين والعراق عقدا لمضاعفة تصدير النفط الخام.