هل أتاكم حديث الإف ستة عشر ؟؟ الحياة بين براثن الموت ..

بقلم: الدكتورة أماني القرم

في ثوانٍ قليلة.. انقلبت غزة .. الموت المخيف يهدر في السماء.. الضربة الأولى: الجميع يتساءل أين؟ الضربة الثانية ثم الثالثة والرابعة تباعاً.. تصفرّ الوجوه وتلتصق الأجساد بالجدران مع توالي الضربات .. واشتداد اهتزاز البيوت وتهشم النوافذ ... تشعر أن القصف في الغرفة المجاورة في البيت ... كلّ أم تلملم أولادها.. تتسمر معهم في أضيق مكان، في ممرٍّ ممكن أو غرفة بعيدة أو أي كان ..

في ثوانٍ قليلة... تحولت الشوارع التي كانت تعجّ بالعباد إلى فراغ.. لا يقطعه إلا صوت همجي للطائرات وصراخ أطفال ونسوة وسرينة الإسعافات المقيتة..

ثم تبدأ التليفونات ..، الكل يريد أن يطمئن على إخوانه وأقربائه ..هل زاركم الموت ؟ أم نجوتم كما نجونا هذه المرة؟؟ أيّ نجاة مشوهة هذه التي تجعل الأطفال تقف كالأخشاب من هول الصوت والصدمة.. أي نجاة هذه التي تجعل قلوب الآمنين في بيوتهم الساعة الخامسة مساء تهتز بين الضلوع؟؟ أي نجاة هذه التي تتطلب منك أن تمشي في جنازة أصدقاء أولادك لأنهم كانوا صدفة في المكان ؟؟ أي نجاة هذه التي تشعرك أنك ستبقى رهينة في أيدي تجار الدم والمصالح من ناحية والاحتلال الغاشم من ناحية أخرى .

هذا ما حدث أول أمس في قصف منطقة الكتيبة بغزة وهذا ما يحدث كلّ مرة عند كل عدوان .. هي صورة متكررة مع اختلاف الأماكن وحصيلة الأسماء وتشابه الخاسرين .

هل تعرفون ما هي منطقة الكتيبة؟؟ إن الاسم يوحي بأن الاحتلال قصف معقلاً للحرب أو موقعاً تدريبياً لحماس أو كما يدعي الناطقون باسمه البنية التحتية للمنظمات الجهادية !! على عكس الاسم تماماً.. الكتيبة هي ساحة كبيرة ملاصقة تماما لجامعة الأزهر إحدى كبريات الجامعات الفلسطينية، وبها منتزه للعائلات وملعب للأطفال وتتوسط منطقة حيوية لأهل غزة .. في قلب حي الرمال الجنوبي الهادئ. الذي يفصل ما بين مدينة غزة وباقي مدن القطاع.. وبها مركزا للباصات والسيارات التي تقل طلبة الجامعات .. هذا ناهيك على مئات البيوت والعمارات التي تحيط بها !!!..

والمحظوظ في غزة ، أي من عنده كهرباء وقت القصف، يستطيع متابعة التلفزيون..، ولقد كنت من المحظوظين وطفت أبحث في القنوات.. لا أخبار عاجلة ولا مفصلة.. جاء القصف كخبر عادي من جملة الأخبار. ولم لا .. فقد اعتاد الجميع على قصف غزة و على جمع الحصيلة النهائية شهيد طفل، اثنان، ثلاثة وربما يصل العدد إلى عشرة، عادي... لا عجب فلم يأتهم حديث الإف ستة عشر! أما أمير ولؤي فقد فاجأهم .. هما الطفلان اللذان استشهدا في القصف الغادر، يعرفهم معظم أولاد غزة.. ليس لأنهما ناشطان سياسيان أو مقاومان.. بل لأنهما رياضيان واعدان يلعبان كرة القدم ويمارسان هواية "الباركور". كانا يذهبان كل يوم إلى ساحة الكتيبة كمكان آمن بنظرهما للعب وممارسة هواياتهما.

أمير ولؤي لم ينشغلا في الأيام السابقة بسماع الكل يتوعد غزة: الاحتلال يتوعد بحرب أشنع من تلك التي شنها في 2014 ، والسلطة تتوعد ، وحماس تتوعد، والمقاومة تتوعد، والناس رهائن يدعون ربهم أن يخلصهم من الجميع ..