ما بعد انتصار سوريا ومخاوف إسرائيل

بقلم: مصطفى السعيد

ما بعد الانتصار السوري السريع في الجنوب، ووصول قواتها إلى الحدود مع الأردن والجولان المحتل ليس كما قبله، وهو ما يدركه رئيس الوزراء الإسرائيلي نيتانياهو، الذي هرع إلى روسيا للمرة الثالثة خلال العام الحالي ليطلب ضمانات من روسيا بألا يصبح الجولان مثل جنوب لبنان، وأن تخرج القوات الإيرانية من سوريا، وهو الطلب الذي تكرر في كل لقاءات نيتانياهو مع الرئيس الروسي بوتين، وقوبل بالرفض الروسي مرارا، لهذا كان نيتانياهو يحمل مقترحات تبدو أكثر مرونة بكثير عن السابق، وأعلن استعداده لتقديم ضمانات بعدم الإقدام على أي محاولة لزعزعة النظام السوري، بل ذهب إلى حد التلويح بامكانية التوصل إلى سلام مع سوريا في نهاية المطاف على حد تعبيره.

أي أن نيتانياهو كان يحاول الظهور، وكأنه رجل سلام، وأن كل ما يتمناه إبعاد شبح الحرب عن شمال إسرائيل وتجنب حرب واسعة في المنطقة، وأصبح كل ما يتمناه أن تعود الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل أحداث سوريا في مطلع 2011، والعودة إلى تنفيذ اتفاق فصل القوات الذي بدأ تنفيذه عام 1974 عقب حرب أكتوبر، ومع ذلك فإن بوتين لم يقدم لنيتانياهو وعودا بتحقيق مطالبه، لأنه أولا لا يريد التفريط في علاقته القوية مع إيران، وركز بوتين على حق سوريا في تحرير كل أراضيها، وأن تطلب مساعدة من تريد، وأن الجيش السوري سيواصل تقدمه إلى المناطق المتاخمة للجولان السوري المحتل، والتي توجد فيها جماعة النصرة وجدد مطالبته بانسحاب الولايات المتحدة من قاعدة التنف على الحدود الأردنية ومنطقة شرق الفرات الشاسعة .. لم يحصل نيتانياهو من بوتين على مبتغاه، لهذا أعلن أن إسرائيل ستتولى بنفسها ضرب أي قوات تهدد أمنها، في الوقت الذي حشدت فيه إسرائيل قوات كبيرة في الجولان.

تدرك كل من الولايات المتحدة وإسرائيل أن الانتصار السوري على الجماعات المسلحة قد تحقق على الأرض، والدليل هو السرعة الهائلة والمفاجئة التي سيطر فيها الجيش السوري على درعا والحدود مع الأردن، وانهيار الجماعات المسلحة وتسليم أسلحتها الثقيلة والمتوسطة في عشرات البلدات، ولم يعد يفصل الجيش السوري عن الجولان إلا كيلومترات قليلة، وفي شرق الفرات بدأت المجموعات الكردية المتحالفة مع القوات الأمريكية في إعادة حساباتها، وتخشى أن تلقى نفس مصير الجماعات المسلحة في الجنوب، لهذا أرسلت المجموعات الكردية المتحالفة مع الولايات المتحدة وفودا للتفاوض مع الحكومة السورية، بل بادرت برفع العلم السوري فوق السدود السورية على نهر الفرات، لكنها راوغت في طلب سوريا تسليم حقول النفط والغاز في شرق دير الزور، خوفا من القوات الأمريكية التي وعدتهم بالحماية من الجيشين التركي والسوري، لكن القلق يساورهم من أن تتخلى عنهم الولايات المتحدة كالعادة، ويدركون أن الوقت ليس في صالحهم وأن الجيش السوري سيتوجه إلى شرق الفرات فور الانتهاء من معركة تحرير كامل للجنوب السوري، ويدرك أكراد سوريا أن القوات الأمريكية قليلة العدد والعتاد وغير مستعدة أو قادرة على حمايتهم، حتى لو استعانت ببعض قوات فرنسية وبريطانية ضئيلة جاءت من أجل التخويف وإثبات الوجود وليس للحرب، فالوضع العسكري لتلك القوات بالغ الصعوبة، ليس لأنها قليلة العدد فقط، بل لأنها تفتقد خطوط إمداد، كما أن معظم سكان شرق الفرات متمسكون بولائهم لسوريا، ويرفضون التعاون مع القوات الأمريكية، لهذا سيكون من السهل شن حرب عصابات على تلك القوات وتشتيتها، وتخشى الولايات المتحدة من الخروج الإجباري تحت الضربات، وتفقد الكثير من هيبتها.

القلق الإسرائيلي من سوريا المنتصرة يعود إلى عدة أسباب، في مقدمتها أن الجيش السوري اكتسب مهارات وقدرات عسكرية أفضل، وحصل على أسلحة حديثة، وأنه اعتاد القتال الشرس في كل الظروف، وإلى جانبه حلفاء أقوياء، وأصبح لديه عمق إستراتيجي يمتد من العراق إلى إيران وحتى بحر قزوين، الذي أطلقت منه البوارج الروسية صواريخها على مواقع الجماعات المسلحة، ولهذا فإن موازين القوى قد تغيرت كثيرا، ولدى إسرائيل معلومات عن إقامة إيران لمنصات صواريخ باليستية متطورة على أعماق كبيرة في عدة قواعد على الأراضي السورية، وزودت سوريا بصواريخ مضادة للسفن الحربية، وأن روسيا عازمة على تزويد سوريا بصواريخ اس 300 المضادة للطائرات والصواريخ، بالإضافة إلى تدريب حزب الله اللبناني لقوات سورية على الحرب غير النظامية، وهو ما سيجعل جبهة الجولان شديدة الخطورة عن ذي قبل.

لهذا يتعجل نيتانياهو التوصل إلى اتفاق، لأن الوقت ليس في مصلحة إسرائيل، وهو ما نلاحظه في الإعلام الإسرائيلي الذي تغيرت لهجته، وأصبح يرحب بانتشار الجيش السوري على حدود الجولان، وبقاء الرئيس السوري في سدة الحكم، بشرط واحد وهو العودة إلى الوضع القائم قبل 2011.

... عن «الاهرام» المصرية