القطن.. إمبراطورية الزراعة المنتهية

سلفيت - "القدس" دوت كوم- وفا- تظهر البيانات الرسمية لوزارة الزراعة، أن عصر زراعة القطن في فلسطين انتهى نهائيا، بعد أن كانت فلسطين تؤمن لفرنسا احتياجها من القطن بجانب القطن المصري، من القرن السابع عشر وحتى منتصف القرن التاسع عشر.

يحتاج نبات القطن إلى جو دافئ نسبيا، وينمو بصورة جيدة في الأراضي الخصبة جيدة الصرف مع توافر كميات كافية من ماء الري خلال موسم النمو، ويحتاج موسم نمو خالٍ من الصقيع لفترة لا تقل عن 180 يوما، وهو المناخ المتوفر في فلسطين.

الكاتب عامر العبود أشار إلى أن محصول القطن يعتبر من المحاصيل الاستراتيجية التي لعبت دورا كبيرا في وضع سياسات الدول الاستعمارية والاقتصادية، كما تعتبر دول الشرق الأوسط من حقول القطن المهمة حول العالم.

وكانت فلسطين من بين الدول التي تنتج القطن الجيد من فترات بعيدة، فقد ورد ذكر شجيرات القطن في تاريخ مرحلة الأمويين، كذلك في عهد الأيوبيين والمماليك خاصة في القدس، ما يعني أن محصول القطن في فلسطين شهد زراعة مستمرة.

كما اعتمد عليه والي عكا ظاهر العُمر، في أوائل القرن الثامن عشر عندما قرر الانفصال عن الحكم العثماني واخذ أجزاء من ولاية الشام.

حيث عرف والي عكا أهمية القطن الاقتصادية فاعتمد عليه ليكون دولة مستقلة عن العثمانيين، وكأنَّه كان "نفط تلك الأيام" بالنسبة لوالي عكا.

ويوضح المؤرخ المختص في المجتمع الفلسطيني البروفيسور محمود يزبك في كتابه بعنوان :"الشيخ ظاهر العمر الزيداني، العصر الذهبي لفلسطين في العصر الحديث"، أن فلسطين شهدت عصرها الذهبي في القرن الثامن عشر، إبان فترة حكم ظاهر العمر الزيداني.

ويستنتج من الدراسة المعتمدة على أبحاث أكاديمية وعلى مصادر أولية لرحالة أجانب زاروا فلسطين في تلك الفترة أن الزيداني أنشأ دولة من القطن الذي شكّل عمادها الاقتصادي.

ويبين، أنه اعتمد في نمو قوته على تشابك اقتصاد الجليل بالاقتصاد العالمي، وازدهار التصدير الزراعي خاصة القطن لأسواق أوروبا وفرنسا على وجه الخصوص، حيث لعبت صناعة النسيج وقتها دورا مهما في اقتصادها.

وأكد يزبك، أن ظاهر العمر أدرك مبكرا ضرورة القيام بخطوات مدروسة ليصبح حاكما لشمال فلسطين وصاحب الاحتكار الوحيد لتجارة القطن الذي تضاعف الطلب عليه في أوروبا نتيجة ازدهار صناعات النسيج.

وذكر، أنّ عكّا الجديدة التي أنشأها ظاهر العمر من أنقاض المدينة المهدومة، التي سكنها 300 شخص، اعتاشوا بالأساس على الصيد، شكّلت نقطة جذب طبيعيّة لمحاصيل القطن التي أنتجتها سهول فلسطين، من جبال نابلس مرورا بمرج ابن عامر، وسهول طبريّة، وسهل البطوف، ومروج الجليل، وصولا لشواطئ المتوسّط غربا.

ومع سيطرته المحكمة على سهول القطن الشاسعة، طرد ظاهر العمر المحتكرين الفرنسيّين من الجليل، وأرسل عيونًا له إلى أوروبا لرصد التغيّر في أسعار القطن، وفرض احتكارًا على القطن، هو الأوّل من نوعه في المنطقة، وساعد هذا الاحتكار ظاهر العمر، على در أرباح ماليّة ضخمة، ودفع بفلسطين بقوّة نحو الدخول في مجالات الاقتصاد في أوروبا.

وقد ورد في بلادنا فلسطين بأن الخليل قد اشتهرت بغزل القطن، حيث كان السكان يزرعون القطن فيغزلونه ويبيعونه في القدس أو في غزة.

وفي كتابه "القدس في العهد العثماني 1640-1799"، بين أحمد حسين عبد الجبوري أن زراعة القطن انتشرت في المنطقة الواقعة بين القدس والخليل في المساحات المستوية من المناطق المرتفعة، إذ إن الفلاحين يزرعون القطن، وتقوم نساؤهم بغزله ليباع في أسواق القدس ويرسل إلى أسواق أوروبا، وفي عام 1700 كان القطن المصدر إلى فرنسا هو قطن القدس والرملة وعكا.

وأشار الرحالة والمؤرخ "فولني" الى أنه وفي العام 1785 كانت القدس تستورد القماش الصوفي من فرنسا، الذي تسدد ثمنه من القطن الخام والمغزول، والذي تصدره إلى فرنسا، لذلك كان القطن يعتبر من المحاصيل الصيفية الرئيسية في لواء القدس، الذي ينتج بكميات كبيرة، ويصدر قسم كبير منه إلى أوروبا.

ويروي الرحالة "بيركارد" أن القطن كان يزرع في مناطق معينة، وأن طول نبتة القطن كان يبلغ طول ركبة الإنسان، ويزرع سنويا، وأن أوراق القطن كانت تشبه أوراق العنب ولكنها أصغر منها.

ومما يؤكد أن القطن كان يزرع طوال عصر سلاطين المماليك، ما يرويه الرحالة "كازولا" أنه أثناء توجه الحجاج من يافا إلى بيت المقدس، حيث شاهدوا كثيرا منه وهي مزدهرة بالقطن.

وتشير بعض المراجع إلى أن القطن كان من المحاصيل الهامة في القدس في عهد المماليك، وذلك نظرا لإقبال الغربيين وبخاصة الحجاج على شراء المنسوجات القطنية.

كما مارس تجار القطن الفرنسيون في فلسطين احتكارا بشعا على حساب الفلاحين، وحاولوا إقناع مزارعي شمال فلسطين بالتحول إلى زراعة السمسم .

وفي اتصال ، مع الباحث المقدسي فؤاد قظينة، نوّه بأنه بالقرب من باب العمود هناك مغارة تعرف اليوم بـ"مغارة سليمان"، عرفت قديما بـ"مغارة القطن" وذكرها مجير الدين الحنبلي باسم "مغارة الكتان" نسبة إلى تخزين القطن والكتان بها خلال فترة من الفترات.

وتركزت زراعة القطن في شمال وشرق فلسطين وتحديدا في الجليل، وبحيرة الحولة، التي عمد الاحتلال الى تجفيفها عام 1951، ويسيطر الاحتلال حاليا على زراعة القطن تقريبا بشكل كامل .