منصب الرئيس...الشرعيات المطلوبة...والسيناريوهات المحتملة

بقلم: الدكتور ناجي صادق شراب

أستاذ علوم سياسية-غزة

سيظل هذا السؤال قائما ومقلقا ليس فقط على المستوى الفلسطيني، بل على كافة المستويات الأخرى المرتبطة بالقضية الفلسطينية، إسرائيليا وعربيا ودوليا. فقضية بحجم القضية الفلسطينية تحتاج أيضا لرئيس بهذا الحجم.

نحن لسنا امام نموذج عادي للرئاسة كما في أي نظام سياسي آخر. والرئاسة الفلسطينية لها تداعياتها ونتائجها التي لا يمكن قصرها فلسطينيا فقط. ولعل أهمية هذا المنصب باتت مرتبطة بشكل مباشر بمستقبل القضية الفلسطينية، وبالحلول والمبادرات المطروحة.

بإختصار شديد وبكلمة واحدة المطلوب رئيس سلام ومفاوضات. وهذا ما حدث فعلا مع الرئيس عرفات عندما إعترف بالسلام إعترف به العالم وتم إستقباله، والشيء نفسه بالنسبة للرئيس محمود عباس. السلام والإلتزام بالمفاوضات شرط من شروط الرئاسة الفلسطينية أكثر من شرط الديموقراطية، هذا ما ينبغي ان يدركه من يسعى ويطمح لهذا المنصب.

وبناءً عليه فإن الرئاسة الفلسطينية تستمد شرعيتها أولا من الشرعية الإنتخابية الديموقراطية، وهذا شرطا أساسيا لإختيار الرئيس، ولا بديل لذلك لا بالتوافق، ولا التعيين. والإختيار هنا يكون بناء على البرنامج السياسي، وقد تكون هذه المشكلة محلولة إلى حد ما بالنسبة للمتنافسين بالتمسك بالبرنامج السياسي لمنظمة التحرير.

لكنها مشكلة كبيرة بالنسبة لحركة «حماس» لو فكرت في التنافس على هذا المنصب. والشرط الثاني الذي ينبغي إدراكه انه رئيس لدولة تحت الاحتلال، ولسلطة ناقصة السيادة، فهو رئيس ببعض الصلاحيات التي لا ترقى لسلطات السيادة عملياً.

والنقطة الثالثة ان شرعيته الإنتخابية لا تكفي، فحتى مع الفوز إذا لم تتوفر شرعيات أخرى يبقى رئيسا حبيسا للمقاطعة أي مقر الرئاسة، أولا القبول الإسرائيلي، نعم إسرائيل لها رأي في المرشح للرئاسة الفلسطينية فهي المستهدف المباشر من أي رئيس جديد. وهل هو ملتزم بالسلام والمفاوضات ونبذ العنف او الإرهاب أي حسبما تريد إسرائيل وهذا شرط صعب، لكنه قائم حتى ولو ضمنيا، إلى جانب ذلك القبول او الشرعية الإقليمية، أي رئيس يحظى بالإعتراف العربي والإستعداد للتعامل معه.

نموذج الرئيس محمود عباس لن يتكرر بما له من وزن تاريخي سياسي ألزم الدول العربية بالتعامل معه وعدم مقاطعته، لكن الأمر سيختلف لمن سيأتي بعده، وقد يواجه صعوبات كثيرة في التعامل مع الدول العربية. واما الشرعية الدولية فهي الشرعية الرابعة التي لا بد أن تتوفر لمنصب الرئيس، فالقضية الفلسطينية قضية دولية، وتتعامل مع الشرعية الدولية، والأوضاع الدولية ليست كما يريد الفلسطينيون، تحولات في موازين القوى، وتبدل في التحالفات الدولية، وصراع دولي، وأولويات غير الأولوية الفلسطينية.

هذه الشرعيات الأربع لا بد من توفرها وإلا سنجد انفسنا امام نموذج الرئيس المحاصر او المقاطع.

والسؤال هنا ما هي الخيارات لإختيار الرئيس: أولا الإختيار التشريعي الدستوري، وهذا هو الخيار الأفضل لكن يسبقه التوافق على شخص رئاسة المجلس التشريعي الذي يفترض أن يحكم لستين يوما يكون ملزما بعدها بإجراء الإنتخابات الرئاسية بضمانات دولية وإقليمية.

هذا الخيار أعتقد أنه الأمثل والذي قد يخرج الجميع من عنق الزجاجة بسلام. إلا أن إشكالية هذا الخيار انه يحتاج لمرسوم رئاسي يعيد للمجلس التشريعي الحياة السياسية من جديد وهذا مستبعد في ظل الإنقسام.

الخيار الثاني قيام المجلس المركزي بحسم هذه القضية الخلافية باختيار نائب للرئيس إستنادا الى أن الشرعية الكلية المرجعية هي لمنظمة التحرير ومؤسساتها وليس للسلطة. والشرعية تكون بتبعية الجزء للكل، لكن هذا الخيار سيثير الكثير من الرفض وخصوصا من قبل حركة «حماس» وقد تزداد الأمور تفاقما وتعقيدا بإحتمالية تعيين حماس لرئيس المجلس التشريعي، وهنا ندخل السيناريو الكارثي القاتل لكل ما تبقى من نبض في الجسد السياسي الفلسطيني المنهك.

أما الخيار الثالث وهو خيار توافقي. بمعنى التوافق على توزيع مناصب الرئيس بين عدد من المرشحين لفترة زمنية محددة يتم بعدها التوافق على الانتخابات.

المشكلة أن الإنتخابات بيئة سياسية شاملة، وتحتاج لتوفير كل الضمانات اللازمة، والبداية برفع كل الإجراءات المفروضة على غزة يضاف والتوافق على بنية منظمة التحرير، والتوافق على صيغة سياسية إنتقالية خصوصا بعد إنفتاح حركة «حماس» على الخيارات السلمية وتبنيها كمسيرة العودة.

إلى جانب هذه الخيارات قد أذكر بخيار المحكمة الدستورية وتولى رئاستها للرئاسة في الفترة الإنتقالية، لكن إشكالية شرعية المحكمة وإختيارها ستفرض نفسها. ويبدو لي ان خيار المجلس المركزي هو الأكثر إحتمالا ولهذا السبب تمت دعوة المجلس الوطني، وتم تفويض مهامه للمجلس المركزي، والهدف الرئيس للمجلس المركزي هو إختيار من يخلف الرئيس.

ولننتظر ماذا يخفي المستقبل. إذا لم يتم حسم هذه المسألة المهمة والتي تمس مستقبل البنيان السياسي الفلسطيني فسيذهب الجميع للطوفان السياسي الذي لن ينجو منه احد.

وليتذكر الجميع اننا لم نعد كما كنا بقضيتنا، وليتذكر الجميع ان مرحلة الرئيس محمود عباس لن تتكرر، وسنذهب بعد عمر مديد للرئيس أبو مازن لمرحلة سياسية جديدة نفتقد فيها الشخصية الكارزمية التاريخية المؤثرة، مرحلة المؤسسين ـ على مرحلة السياسيين، ويبقى الصوت والإختيار الشعبي هو البديل لمرحلة المؤسسين التاريخيين.

drnagishurrab@gmail.com