حرب على سيارات "الكادي" ومطاردات على الخطوط الفرعية تنذر بأزمة اجتماعية

رام الله-"القدس" دوت كوم- كثفت الشرطة الفلسطينية ووزارة النقل والمواصلات موخراً من مطاردتها للسيارات الخاصة التي تنقل بشكل غير قانوني ركاباً بأجور من والى مناطق مختلفة في الضفة الغربية، بيد ان المعركة المحتدمة بين الشرطة وسائقي سيارات "الكادي" بضغوط من نقابات سائقي العمومي قد تتسبب بأزمة معيشية لآلاف أسر السائقين الذين يعتاشون من وراء هذه المهنة، كما وستتسبب بازمة في تنقل كثير من المواطنين في ظل غياب البدائل في مناطق سكناهم.

وتقول نقابات السائقين، ان "نحو 17 الف مركبة خاصة تعمل على نقل الركاب في الضفة الغربية"، لكن وزارة النقل الفلسطينية تتحدث عن "نحو 4 الاف مركبة تعمل على نقل الركاب بشكل غير قانوني"، ولكنها في كلتا الحالتين تعتبر ارقاما كبيرة تستدعي من جهات الاختصاص ايجاد حلول وبدائل لهؤلاء المواطنين، اذا ما تقرر القضاء على هذه الظاهرة بشكل نهائي.

وقال سائق يعمل على سيارة خاصة بنقل الركاب في قضاء الخليل فضل عدم ذكر اسمه خشية التعرض لملاحقة الشرطة، انه بات ملاحقاً اكثر من أي وقت مضى من قبل الشرطة الفلسطينية ودوريات السلامة العامة التابعة لوزارة النقل والمواصلات ومن سائقي العمومي، موضحا انه بات مضطرا لسلوك طرق التفافية وترابية بديلة لتجاوز الحملة الامنية المكثفة التي تنفذها الشرطة للقضاء على ظاهرة عمل مركبات النقل الخاص في نقل الركاب.

واضاف السائق (وهو اب لاربعة اطفال ويعمل منذ 4 سنوات على نقل الركاب بشكل غير قانوني)، انه بعد منعه من العمل في اسرائيل بدأ بالعمل على سيارة غير قانونية في نقل العمال الى معبر ترقوميا، ولكنه اشترى قبل عام سيارة قانونية من نوعي "كادي" بسعر تجاوز 100 الف شيقل (تتسع لـ 7 ركاب)، دفع جزءا من ثمنها وبدأ بتسديد بقية اقساطها من عمله اليومي في نقل الركاب، وان عمله الاساسي اصبح نقل الركاب من قرى غرب وشمال الخليل الى معبر ترقوميا وقال "يوميا نعمل من الساعة الثالثة فجرا على نقل العمال الى معبر ترقوميا، وفي ساعات المساء نعيد العمال الى منازلهم، ومنذ فترة ونحن على هذا الحال لكسب قوت اطفالنا ولتسديد اقساط السيارة".

ويقول ذات السائق (وهو واحد من بين مئات السائقين الذين يعملون على نقل العمال على معبر ترقوميا من قرى مختلفة بمحافظة الخليل) بانه لا يوجد بديل لهم، كما ولا يوجد سائقو عمومي يعملون على نقل العمال الساعة الثالثة فجرا، مشددا على انهم لا يعملون على خطوط النقل التي تعمل عليها المركبات العمومية، بل يتواجدون على خطوط لا تصلها سيارات العمومي، اضافة الى انهم يعملون في ساعات المساء على ايصال الركاب من الخليل الى قراهم، بعد ان يتوقف سائقو العمومي عن العمل.

واشار الى انه تعرض لمخالفات عديدة من قبل الشرطة حين كانت تضبطه وهو ينقل ركابا الى مدينة الخليل ودورا، الا انه مخاوفه ازدادت الان من قيام الشرطة باحتجاز مركبته، كما فعلت مع العديد من زملائه الذين تم ضبطهم مؤخرا وهم ينقلون ركابا.

وقال سائق اخر من قرى محافظة الخليل (رفض الكشف عن اسمه) بانه يوجد بحوزة الشرطة كشوفات باسماء سائقين يعملون على سيارات من نوع "كادي" بيجو بارتنر، وسكودا، المفضلة للسائقين لانها اقتصادية وسعتها كبيرة (تتسع لـ 7 ركاب)، حيث تقوم الشرطة بايقاف اي مركبة من هذا النوع، لوجود شبهة مسبقة بانها تنقل ركابا.

واشار الى انه يكسب من عمله هذا ما بين 100-200 شيقل يوميا، وفي بعض الاحيان يكسب اكثر من ذلك عندما يحظى بعملية نقل لركاب خارج المحافظة، لكن مصدر عيشه هذا بات مهدداً في ظل تكثيف الشرطة ملاحقتهم وحجز مركباتهم كما قال.

ويرفض هذا السائق وصف ما يقوم به بانه "عمل غير قانوني"، ويقول بانه وزملاءه "يُسهلون عملية تنقل المواطنين"، وخاصة في المناطق النائية، التي لا يوجد فيها سيارات عمومي، كما وانهم يعملون في ساعات لا يعمل فيها سائقو العمومي، مشيرا الى ان الكثير من المواطنين يفضلون التنقل بالسيارات الخاصة باعتبارها ارخص بكثير لهم من السيارات العمومية، كما وانها متاحة لهم بسهولة وسرعة عند الطلب، وبالتالي يوفرون المال في ظل تردي الحال المعيشية.

ودعا الجهات المختصة الى ايجاد حل قانوني لهذه الظاهرة، او غض البصر عن عملهم ليستمروا في كسب رزقهم وخدمة الركاب وتلبية احتياجات قطاعات وتجمعات كبيرة من المواطنين.

وفي المقابل، قال محمد حميدات وهو سائق سيارة عمومي يعمل على خط الخليل بان المركبات الخاصة باتت تهدد رزقهم، وان دخله ودخل معظم زملائه السائقين تراجع بشكل كبير مع انتشار عمل السيارات الخاصة، وفي بعض الايام "بالكاد تغطي المركبة العمومية مصروفها اليومي"، على حد قوله، مشيرا الى ان سائق العمومي يدفع رسوم ترخيص وضريبة وبدل موقف للبلدية، وصيانة دورية، ويوفر سيارات جديدة فيها كل شروط السلامة العامة، وفي نهاية المطاف يأتي سائق سيارة خاصة لا يدفع اي رسوم ويقوم بنقل الركاب وتحقيق دخل اعلى بكثير من سائق العمومي.

ويقول حميدات بان معظم من يعملون على نقل الركاب بسيارتهم الخاصة "هم موظفون حكوميون بالدرجة الاولى، ولديهم دخل ثابت، لكنهم يزاحموننا على لقمة عيشنا".

وهددت نقابات النقل قبل نحو اسبوعين باضراب شامل، اذا لم تعمل الشرطة ووزارة النقل عمل وقف وانهاء ظاهرة المركبات الخاصة التي تعمل في نقل الركاب بالاجرة، ما دفع الشرطة لتكثيف جهودها في ملاحقة هذه الظاهرة.

واوضح الناطق باسم الشرطة الفلسطينية العقيد لؤي ارزيقات، في حديث لـ "القدس" دوت كوم، ان الشرطة تقوم باجراءات مستدامة لمواجهة هذه الظاهرة، وانها حررت العام الماضي نحو 8 الاف مخالفة بحق سائقين قاموا بنقل ركاب مقابل أجر، ومنذ بداية العام الجاري حررت 4200 مخالفة، مشيرا الى ان هذه الاجراءات تأتي بسبب "وجود تهديد لقطاع النقل، وباعتباره عملا مخالفا للقانون، وفي حال وقوع حادث سير يفقد الراكب حقه في التامين والتعويض".

وبين ارزيقات ان الجديد في اجراءات الشرطة يتمثل في منحها هامشا اكبر في العمل من خلال صلاحية احتجاز المركبات، حيث "تم احتجاز 200 مركبة وتحرير الف مخالفة بحق مخالفين خلال الاسابيع الماضية، كما وسمح للشرطة بتوقيف السائق وتحويله الى النيابة العامة، لاتخاذ القضاء المقتضى القانوني بحقه، اضافة الى انه تم تحويل اوراق عدد من السائقين الى مراقب السير ودائرة السير لاتخاذ اجراءات اكثر صرامة بحقهم".

واوضح ارزيقات ان هذه الظاهرة تتركز في محافظة الخليل وارياف المحافظات الاخرى، مشيرا الى انه بعد ان كثفت الشرطة حملتها، تكشفت بعض الامور الاخرى، من بينها "عدم التزام بعض السائقين في خطوطهم، وان بعض المناطق بحاجة الى برامج جديدة للنقل، حيث نعمل مع وزارة النقل والمواصلات على دراسة هذه الاشكاليات لايجاد حلول لها"، لافتا الى ان هناك بعض السيارات التي تستخدم اكثر من غيرها في نقل الركاب لذلك تقوم الشرطة بتشتديد متابعتها.

وقال السائق ابو راشد وهو فني كهرباء يمتلك سيارة من نوع "كادي" يستخدمها في نقل معداته وعماله الى الورش التي يعمل فيها، انه يتعرض بشكل دوري للتوقيف من قبل الشرطة، بشبهة انه ينقل بمركبته الركاب، نظرا لانتشار استخدامها لهذه الغاية، مشيرا الى انه بات يفكر بشكل جدي بتغييرها، لانه في اغلب الاحيان يتعرض للتوقيف والمساءلة وهو يقل أسرته او عماله.

من جانبه قال الناطق باسم وزارة النقل والمواصلات، محمد حمدان، ان الوزارة تتابع هذه الظاهرة وتحاول القضاء عليها منذ وقت طويل، حيث تشير تقديرات الوزارة الى ان نحو 4 الاف مركبة خاصة تعمل على نقل الركاب باجر، لكن الجديد انه تم تشديد العقوبات بعد احتجاجات السائقين، حيث نعمل على تطبيق الحجز الاداري للمركبات، كي تكون هناك حالة ردع اكثر لهذه الظاهرة.

وبين ان تنامي هذه الظاهرة ناتج عن عزوف المواطنين عن استخدام المركبات العمومية لاسباب مختلفة، من بينها عدم استخدام سيارات "التكسي" للعدادات، وعدم تقديم الخدمة المسائية، وهجران بعض المركبات الخطوط من اجل طلب هنا وهناك، وعدم انتظام الرحلات، لذلك فانه يتوجب على نقابات السائقين اعادة تقييم عمل منتسبيها، من اجل تحسين الخدمة المقدمة للمواطنين، ودفعهم لتفضيل استخدام سيارات الاجرة القانونية.

واشار حمدان الى ان الوزارة ستعمل على تغطية العجز في بعض خطوط النقل عبر عمل الحافلات، واستحداث خطوط جديدة حيثما يتطلب الامر ذلك.