هل تنجح دبلوماسية " كأس العالم" التي يقودها بوتين؟

بقلم: راسم عبيدات-القدس

واضح بأن هناك تطورات عاصفة ومتسارعة في المنطقة، تلك التطورات مرتبطة بشكل خاص بالوضعين السوري والفلسطيني، اللذين لهما تأثيرات مباشرة على دولة الإحتلال الاسرائيلي، وما يسمى بصفقة القرن، التي مخاطرها على القضية الفلسطينية تتفوق على مخاطر اتفاقية سايكس - بيكو ووعد بلفور والنكبة. وهذه الصفقة يجب ان يتم النظر لها من منظور استراتيجي وليس من منظور سياسي مرحلي فقط، فمصيرها فشلاً أو نجاحاً مرتبطا بنتائج الحرب المستعرة بين حلف ومحور المقاومة، ودول العدوان وفي قلبها دولة الاحتلال وامريكا وتوابعهما من بعض الأنظمة العربية وما يسمى بدولة الخلافة التركية...وهي تأتي نتيجة لمرحلة إنهزام عربي- فلسطيني بدأ منذ "كامب ديفيد ومدريد وحتى اللحظة، بلغ ذروته الآن بالتطبيع العلني والمشرعن بين دولة الإحتلال وما يسمى بالمحور العربي السني الأمريكي والهادف الى إقامة تحالف سياسي ما بين ذلك المحور ودولة الاحتلال في الجغرافيا السياسية للمنطقة على حساب الحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني للتفرغ لـ" العدو" الإفتراضي المشترك ألا وهو طهران.

ولذلك وجدنا القيادتين اليمينيتين في واشنطن وتل أبيب تستغلان الوضعين العربي والفلسطيني البائسين، تعفن وإنهيار النظام الرسمي العربي وإنقسام وإنشطار وضعف الحالة الفلسطينية من أجل تمرير صفقة القرن، صفعة العصر لكي تشطب وتصفي مرتكزات القضية الفلسطينية الأساسية بشكل نهائي، تثبيت احتلال اسرائيل للقدس وتشريعه وشطب وتصفية قضية اللاجئين.

والحراكات التي تجري تجعلنا نتخوف جداً بأن موعد تمرير هذه الصفقة بات قريباً، رغم أن هناك الكثير من المعيقات الجدية لتطبيقها، وفي المقدمة منها صلابة الموقف الشعبي والجماهيري الفلسطيني، ذلك الذي نجح دائماً في إجهاض وإسقاط المشاريع المشبوهة والتصفوية للقضية الفلسطينية، ولكن هناك ما يوحي بالخطر بعدم صلابة مواقف بعض الدوائر العربية والفلسطينية، وما يروج عن اتصالات سرية لتمرير صفقة القرن، والتجاذبات الاقليمية وتعميق حالة الانقسام والحديث عن إغراءات استثمارية لغزة ومقايضة ما هو اقتصادي وانساني بالحقوق الوطنية، وعدم النظر لرفض هذه الصفقة من منظور وطني فلسطيني، قد يكون واحداً من أهم مسهلات تطبيقها.

والتحركات الجارية دولياً وإقليمياً وعربياً علينا أن نقرأها ونلحظها بعمق، حيث التحركات واللقاءات العربية - الأمريكية تكثفت مؤخراً وشملت كل دول المحور السني العربي الأمريكي المرتبط والداعم لصفقة القرن الأمريكية...وكذلك زيارة المتطرف جون بولتون أحد أبرز صقور قيادة ترامب الى موسكو وترتيبه لقمة بوتين- ترامب في هلسنكي في السادس عشر من الشهر الحالي، والزيارة التي حدثت بشكل مستعجل لرئيس أركان جيش الإحتلال إيزنكوت الى واشنطن، والمستهدفة بحث تنسيق المواقف الأمريكية - الإسرائيلية من التطورات الحاصلة في الجنوب السوري، والوجود العسكري لإيران وحزب الله في سوريا، حيث اكد المندوب الروسي في الأمم المتحدة بأن الوجود الإيراني في سوريا شرعي، وبإستعادة السيادة والسيطرة السورية على جنوب البلاد، فإنه لن يتبقى لأمريكا واسرائيل أي ورقة ضغط حقيقية تمكنهما من تأثيرات جدية على الوضع في سوريا، فالجماعات الإرهابية منهارة ومتصدعة والجيش السوري مصمم على إستعادة السيطرة والسيادة السورية على كامل الجغرافيا السورية، ولذا بدأ الترويج عن صفقة روسية - أمريكية بأن تطلق امريكا يد روسيا كمنطقة نفوذ كاملة لها في سوريا، وبما يسمح من تصفية الجماعات الإرهابية، وإستعادة السيطرة والسيادة السورية على الجغرافيا السورية والمعابر الخارجية مع دول الجوار مقابل إبداء مرونة عالية في تمرير وتطبيق صفقة القرن.

وفي هذا الإطار الموقف السوري واضح، وعبرت عنه القيادة السورية بشكل دائم لا يقبل التأويل، بأن سوريا ليست مع أي اتفاقيات لتصفية القضية الفلسطينية، وموقفها ثابت من دعم القضية الفلسطينية وحقوق شعبنا الفلسطيني، ومع إستعادة كافة الأراضي العربية المغتصبة، وهي ليست جزءاً من أية اتفاقيات أو تفاهمات، وكذلك لا اعتقد بأن روسيا متفقة مع الموقف الأمريكي في هذا الإطار، بل ما هو مأمول من قمة هلسنكي التي ستعقد في السادس عشر من الشهر القادم، ان يبلغ بوتين ترامب بأن صفقة القرن لن يكتب لها النجاح، حيث التبني الكلي للموقف الإسرائيلي والتجاهل التام لحقوق الشعب الفلسطيني.

الرئيس بوتين يقود دبلوماسية روسية قوية، وهو يريد أن يوصل رسالة قوية الى أمريكا، بأن روسيا حاضرة في كل المجالات والميادين، وفي كامل المنطقة، وقبل عقد القمة مع ترامب في هلسنكي، يريد ان يحقق إنجازاً مهماً بجمع الرئيس الفلسطيني عباس مع رئيس الوزراء الاسرائيلي نتنياهو، ودبلوماسية "كأس العالم" هذه التي يقودها بوتين، قد تنجح في جمع عباس ونتنياهو، وتطلق مسار العملية السياسية والمفاوضات من جديد.

نحن ندرك تماماً حجم الضغوط التي تمارس على الشعب الفلسطيني وقيادته سياسياً ومالياً من اطراف عربية وإقليمية ودولية، ولكن يجب ان يبقى الموقف الفلسطيني صلباً وثابتاً في عدم التعاطي مع صفقة القرن لتصفية القضية الفلسطينية، وهذا يستدعي تحصين الجبهة الداخلية عبر انهاء الإنقسام وإستعادة الوحدة الوطنية على قاعدة الشراكة الحقيقية في القيادة والقرار، ووفق برنامج وطني توافقي، عنوانه حماية الثوابت الفلسطينية، وبما يتطلب خلق أدوات وآليات تنفيذية قادرة على المجابهة والتصدي لأية مخططات من شأنها أن تقود لتصفية القضية الفلسطينية وتفكيك المشروع الوطني.

ولذلك سيكون من الخيانة لدماء وتضحيات الشهداء والأسرى أن يجري النظر لهذه الصفقة المدمرة، من منظور فئوي ومصلحي، وخصوصاً ونحن ندرك تماماً بأن هناك بعض من الأطراف الفلسطينية الضاغطة، من اجل التعاطي مع صفقة القرن، وفك الحظر على عدم التواصل واللقاءات مع الإدارة الأمريكية، والقبول بفك الحصار عن قطاع غزة من خلال مشاريع اقتصادية ضخمة ومساعدات مالية كبيرة، على حساب الحقوق الوطنية.

دبلوماسية "كأس العالم" التي يقودها بوتين لجمع الرئيس الفلسطيني عباس مع رئيس وزراء الاحتلال نتنياهو على هامش مباراة نهائي كأس العالم في الخامس عشر من الشهر الجاري، حظوظ نجاحها كبيرة، ولكن نجحت ام لم تنجح، صفقة القرن فلا يجوز الإقتراب منها، أو الخوض في تفاصيلها..لأن ذلك مدمر وسيقود الى المزيد من الكوارث على شعبنا، بحيث تكون أخطر من كارثة أوسلو والنكبة.

Quds.45@gmail.com