ماذا قالت للأمير؟

بقلم: د. دلال عريقات

سأخصص عمودي الْيَوْم للحديث عما دار بيني وبين سمو الأمير من حديث، لقد قررت مشاركة القارىء الفلسطيني بتفاصيل اللقاء لأنني أشعر أن ما تم من حوار لا يمثلني لشخصي فقط ولكنني حملت مسؤولية وطنية وإنسانية بنقل رسالة شعب للأمير في دقائق. أودّ قبل البدء شكر القنصل البريطاني العام، الصديق فيليب، الذي اختارني لأكون أحد ممثلي فئة الشباب بإعطائي فرصة استثنائية للحديث مع الأمير.

فكرت كثيراً قبل الموعد، ماذا أقول لأمير المملكة المتحدة خلال دقائق آخذة بعين الاعتبار ضغط الزيارة وكثرة الوجوه والأحداث والزيارات، كيف أقدم أفكاري، ما الرسائل التي لا بد من توجيهها؟ وما هي اللغة والوسائل التي يجب توظيفها؟

قررت اختيار رواية تربط السياسة بالإنسانية حتى أوصل رسالتي لقلب وعقل الأمير وحتى يصعب عليه نسيان ما سأقول، ولذلك لقد اخترت السرد القصصي للتأثير بنفس الأمير واستخدمت ما يجمعني به من ولادة، عمر الشباب، دورنا في التغيير، حبنا لأمهاتنا، وأولادنا وحقهم بأن ينعموا بالحرية ولشد اهتمامه بدأت حديثي بوالدته فقلت:

"عام ١٩٨٢، كانت الأميرة الراحلة ديانا حاملاً، تماماً كما كانت أمي، ولِدتُ أنا في أيار وأنتَ رأيتَ النور في حزيران.

قاطعني قائلاً: آه بيننا شهر فقط !

جاوبت: نعم، وأتمنى لك العمر السعيد. ثم تابعت، خلال ٣٦ عاماً مضت، بذل والداي كل جهدٍ ممكن لتوفير كافة احتياجات أي طفل ولتزويدي بحياة طبيعية للعيش بسلام، إلا أنني للأسف نشأت تحت الاحتلال.

الْيَوْم، نحن الاثنين لدينا ٣ أولاد، تماماً مثلك سمو الأمير، لدي ولدين وبنت، أتمنى أن ينعم أبنائي بحياة أفضل وأكثر سلماً من التي عاصرتُها.

أطلب منك الْيَوْم أن تساعدني لأوفر لأولادي ما يتمتع به أولادك، وما حلم والداي بتوفيره لي، الحرية.

وهنا أنا بحاجة لمساعدتك لبذل الجهد اللازم لمحاولة إقناع حكومة جلالة الملكة للاعتراف بالدولة الفلسطينية.

أجاب: سأفعل ما بوسعي ولكن كما تعلمين صلاحياتي السياسية،،،،قاطعته: أعرف ولكنني متأكدة أنك ترى العالم بعيون شابة وأنك حتماً ستكون صانع التغيير.

ثم أكملت، مضى ١٠٠ عام منذ إعطاء البريطانيين حقوقاً لليهود من خلال وعد بلفور، حان الوقت بأن يعطي البريطانيون للشعب الفلسطيني حقوقهم من خلال الاعتراف بالدولة.

تماماً كزيارتك أيها الأمير، الاعتراف سيعيد الأمل لأولادنا.

فرد: نحن لم ننسى الفلسطينيين واليوم زرت مخيم الجلزون وتحدثتُ مع الأطفال، وفهمتُ حجم المعاناة، لا بد أن نساهم أكثر في تحسين الأوضاع.

تناولتُ ملفي عن الطاولة القريبة منا وقلت: قرأت أنك أيها الأمير متخصص في الجغرافيا، ولهذا السبب أحضرت لك مجموعة من الخرائط (إصدار دائرة شؤون المفاوضات/منظمة التحرير حزيران ٢٠١٨).فقاطعني قائلاً: لا تفترضي أني سأتمكن من قراءة هذه الخرائط لوحدي، الرجاء التوضيح. ففتحتُ الخارطة الأولى وفسرت ما تبينه من مستوطنات وخط جدار الفصل العنصري ومصادرة أراضٍ داخل الضفة الغربية ثم انتقلت إلى الخارطة الثانية والتي تبين حلقة المستوطنات التي تلف القدس الفلسطينية وتعزلها تماماً وتقطع التواصل ثم انتقلت إلى الخارطة الثالثة والتي تنفرد بالبلدة القديمة بالقدس وأطلعته على توسع الإسرائيليين في الحي اليهودي على حساب القدس الشرقية الفلسطينيّة، بالإشارة للقدس الشرقية، ذكرته بأن جدة والده الأمير تشارلز، الأميرة أليس، مدفونة هناك.

قاطعني: نعم سأذهب لزيارة قبرها في البلدة القديمة غداً صباحاً قبل مغادرتي.

أشار بإصبعه على الخارطة وسألني: هذه القدس الشرقية؟ أجبته: هذه البلدة القديمة وهي جزء من القدس الشرقية، عاصمة فلسطين، حسب المواثيق الدوليّة، أي من حق الفلسطينيين. سترى بعينك غداً ماذا فعل الإسرائيليون وكيف وسعوا الحي اليهودي على حساب الحقوق الفلسطينيّة.

تابعت مخاطبة الأمير: إن إجراءات إسرائيل ومصادرة الأراضي والاستيطان والتوسع مخالف للقانون الدولي ولقرارات مجلس الأمن والجمعية العامة، كما أنه مخالف لاتفاقيات السلام. وأكملت: النتيجة الطبيعية لإجراءات إسرائيل هو فقدان الأمل، ثم طلبت منه أن يحتفظ بالخرائط ليطلع عليها لاحقاً.

أجاب الأمير مُطمئِناً: نحن لم ننقل سفارتنا للقدس، أي موقفنا من حق الفلسطينيين في القدس واضح ولَم يتغير.

سألته سريعاً خلال الحديث إن رأى جدار الفصل عن قرب؟ إن فهم مأساة غزة؟ إن علم بتلوث المياه في غزة وان ٩٠٪ غير صالح للشرب؟

أجاب: نعم وأنه مهتم بشؤون البيئة والطاقة البديلة والمياه وأنه سيرى كيف يمكن المساعدة، وتساءل إن كان لدينا اهتمام بالطاقة البديلة وتوظيف التكنولوجيا. فأخبرته أن الحكومة الفلسطينية بدأت تركز على الطاقة البديلة ثم أوضحت له أنه حان الوقت للحل السياسي فالمساعدات الإنسانية والاقتصادية غير كافية.

عبرتُ للأمير عن امتنان الشعب الفلسطيني للمملكة المتحدة وخاصة في مجال الدعم التعليمي ومنح الماجستير والدكتوراه وحقيقة أن منح البكالوريوس غير متوفرة من المملكة المتحدة.

فهز رأسه وأكد أنه لا بد من تقديم المزيد.

شكرته على الزيارة التاريخية وأكدت له ما تجلبه زيارته من أمل وفرحة في الشارع الفلسطيني، وتابعت، مع فهمي العميق بدوركم المحدود في صناعة السياسة، ولكنني أؤمن أنك شاب قادر على التغيير، وهنا أتمنى منك محاولة إقناع الحكومة والبرلمان في لندن للاعتراف بالدولة الفلسطينية هذا العام.

بابتسامة هز رأسهُ وقال لي سأتذكر أطفالك، وسأبذل ما بوسعي، يتوجب علينا فعل المزيد."

في الحقيقة، بالرغم من محدودية صلاحيات العائلة المالكة سياسياً، إلا أن زيارة الأمير لفلسطين لها بُعد سياسي ولقاءه للفلسطينيين في القدس يمثل رسالة وصفعة سياسية قوية لإسرائيل. أدركُ تماماً أن هناك رسائل كثيرة ممكن أن تقدم للأمير ومنها الاعتذار عن وعد بلفور، منها إنهاء الاحتلال، منها الأسرى والشهداء والأطفال، فهناك ٣٠٠ طفل وعشرات الأمهات في السجون الإسرائيلية، ممكن الحديث عن مناطق "ج" والخطط الإسرائيلية وانتهاكات المستوطنين في المنطقة المسماة بـ E1، وكذلك منطقة H1, H2 في الخليل. هناك تفاصيل كثيرة بخصوص قطاع غزة واللاجئين وغيرها، اخترت البساطة في الطرح والتركيز على ما سيبقى محفوظاً في ذاكرة الأمير.