«صفقة القرن»...أمن وهيمنة اسرائيل أولاً على حساب الحقوق السياسية الفلسطينية

بقلم: الدكتور ناجي صادق شراب

أستاذ علوم سياسية-غزة

الجدل والإجتهادات التي تبذل بفك طلاسم صفقة القرن ليست مبررة على الإطلاق. فهذه الصفقة كشفت عن بنودها قبل ان تنشر بطريقة رسمية، الهدف فقط قياس ردود الفعل منها، وحشد التأييد.

وسأبدأ أولا بأهداف الصفقة، الهدف المباشر التخلص من القضية الفلسطينية تماما، ومن كل مكوناتها بتذويبها إقليميا ودوليا. والهدف الثاني جعل إسرائيل دولة مقبوله في نظامها الإقليمي الجغرافي أي قبولها عربيا من خلال صيغ متعددة أهمها إنشاء منظومة أمنية واسعة.

والهدف الثالث الحفاظ على أمن إسرائيل وكقوة متفوقة على ما دونها.

من المستهدف من الصفقة؟

المستهدف المباشر هما الفلسطينيون والإسرائيليون، والمستهدف المباشر هي إسرائيل أي صفقة من أجل إسرائيل، والإشكالية هنا أنها تتعامل مع الفلسطينيين من منظور إسرائيلي، بمعنى أنها تخاطب المطالب الفلسطينية عبر المطالب الإسرائيلية، ولذلك الصفقة أقرب لما تريد إسرائيل، وليس ما يريده الفلسطينيون، تتعامل مع الفلسطينيين ككتلة بشرية تحتاج بعض الحقوق الإنسانية، والإقتصادية، وتحسين أوضاعهم الإنسانية كما في غزة، ولا تتعامل مع الفلسطينيين على أساس أنهم شعب له حقوق تاريخية وسياسية وأبرزها الدولة وأنهم شعب تحت الاحتلال، وهذه نقطة ضعف أساسية فيها.

وفي هذا السياق يخاطب الفلسطينيون، واما إسرائيل فالصفقة تنطلق من نفس الثوابت التي تحكم علاقة أمريكا بإسرائيل، فإسرائيل ثابت في السياسة الأمريكية وليس الفلسطينيين المتغير في السياسة الأمريكية، تنطلق الصفقة من هذا الثابت الذي يقوم على أمن إسرائيل والحفاظ على بقائها، ولذلك تركز الصفقة على البعد الأمني لإسرائيل، وتنزع من الفلسطينيين كل الصلاحيات الأمنية والعسكرية وحتى الدولة الفلسطينية ستوضع في قلب الأمن الإسرائيلي.

المستهدفون الآخرون هم الدول العربية، فتأتي في سياقات عربية مواتية لطرح هذه الصفقة، مستغلة الضعف والتراجع العربي، والإنشغالات العربية بالشؤون الداخلية والأزمات العربية العربية، لكن ما لا تدركه الولايات المتحدة ان الدول العربية لا يمكن أن تذهب بعيدا في التعامل مع الصفقة، وأنها لا يمكن أن تتخلى عن ثوابتها السياسية بإعتبار القضية الفلسطينية يبقى لها بعدها وعمقها العربي، وهذا ما سمعه كوشنر في زيارته الأخيرة لا مانع من تأييد الصفقة بشرط الإستجابة لدولة فلسطينية عاصمتها القدس، وهذا هو الحد الأدنى الذي يمكن القبول به.

المستهدفون الآخرون الدول الكبرى والمؤثرة في القرار السياسي في المنطقة كروسيا وأوروبا، وهنا لا يمكن تجاوز دور هذه القوى القادرة على إفشال الصفقة ولذلك تبحث لها عن دور من خلال إحياء لدور اللجنة الرباعية، وعقد صفقات متبادلة مع هذه الدول لقاء تأييدها ودعمها للصفقة الأمريكيه، وهنا الدور الروسي والأوروبي والعمل على مشاركتهما من خلال عقد لقاء يجمع بينهم.

ولا يمكن ان ننسى الدول الإقليمية كإيران وتركيا وسلبهما ورقة القضية الفلسطينية، وليس مستبعدا عقد صفقة مصالح مشتركة ولو بطريقة غير مباشرة كما في سوريا واليمن وملف الإرهاب.

أما ما يتعلق بمضمون الصفقة فالأمر لا يحتاج إلى جهد كبير للتعرف على هذا المضمون وخصوصا وعلى مستوى العلاقات الفلسطينية الإسرائيلية، أولا موضوع الدولة الفلسطينية: الصفقة لن تتعامل بشكل مباشر وصريح مع موضوع الدولة الفلسطينيه المستقله، والتركيز على غزة ككينونة بديلة، اما الضفة الغربية ولأن إسرائيل لا تريد وجود دولة فلسطينية في الضفة الغربية التي تشكل العمق الإستراتيجي لإسرائيل وللفلسطينيين، لذلك البديل بالحل الإقليمي وتفعيل الدور الأردني، وتوسيع صلاحيات السلطة الفلسطينية بصلاحيات أقل من دولة وأكثر من حكم ذاتي، من خلال نزع الصلاحيات السيادية من الدولة الفلسطينية ومنحها لإسرائيل.

أما موضوع المستوطنات فحتى الآن الإدارة الأمريكية وعلى خلاف سابقاتها لم تشر لموضوع الإستيطان، والتوجه هو بقائها وشرعنتها في إطار من تبادل الأراضي المحدود.

أما القضية الأمنية ستعالج بمنح كل السلطات الأمنية والعسكرية لإسرائيل بتواجدها على الحدود وخصوصا غور الأردن.

أما الحدود مع غزة فقد يفرض على «حماس» مقابل رفع الحصار والإعتراف بها القيام بدور حماية الحدود من خلال هدنة طويلة، وربطها بمصر من خلال المشاريع المنوي القيام بها كالكهرباء والمياه والميناء وغيرها من المشاريع الحياتية، وهذا يعني تحسين الوظيفة الأمنية القائمة.

أما قضية القدس فقد حسمت بالإعتراف بها عاصمة لإسرائيل مع منح أراض وقرى ذات كثافة سكانية فلسطينية للفلسطينيين، من ثم التخلص من المشكلة الديموغرافية المقلقه لإسرائيل.

وبالنسبة لقضية اللاجئين فستتم معالجتها في إطار من التوطين العربي والخارجي، مع منح إمكانية العودة المحدودة لآراضي الدولة الفلسطينية. من هذا المنظور فالصفقة تهدف إلى التخلص من الصراع العربي الإسرائيلي بالتخلص من القضية الفلسطينية نهائيا، وإلغاء كل الشرعيات الدولية، وهذا بداية لإعادة تقسيم المنطقة العربية على أساس من مناطق النفوذ والمصالح للدول الإقليمية والدولية على حساب الدول والأمن العربي، وهذا هو الهدف الإستراتيجي لصفقة القرن.

drnagishurrab@gmail.com