نبيل عمرو: إجابات كوشنر على أسئلة "القدس" مدهونة بالزيت

رام الله - "القدس" دوت كوم - وصف الكاتب والسياسي الاستاذ نبيل عمرو إجابات جاريد كوشنر مستشار وصهر الرئيس الامريكي دونالد ترامب في حديثه مع رئيس تحرير " القدس" وليد ابو الزلف بأنها جاءت مدهونة بطبقة من الزيت بحيث لا يمكن الإمساك بكلمة واحدة منها تفصح عن حقيقة ما تتضمنه النسخة الورقية للصفقة المرتقبة.

ورأى عمرو أنه ما كان لأفكار كوشنر ونتنياهو أن تجد طريقها ممهدة لولا ما تعانيه الحالة الفلسطينية من انقسام خلق حواجز تحول دون وحدة الوطن وهي حواجز من صناعة الفلسطينيين وضعت من أجل منع وحدة الوطن وليس من أجل منع مرور المركبات الإسرائيلية.

واعتبر عمرو ان "القدس"حققت سبقا صحافيا عالميا، تستطيع أن تتباهى به امام كبريات الصحف.وفيما يلي نص التحليل السياسي الذي خص به عمرو"القدس"حول ما جاء في مقابلتها مع كوشنر.

حققت جريدة القدس من خلال اللقاء الموسع الذي أجراه صديقي وليد أبو الزلف، مع المستشار جاريد كوشنر، سبقا صحافيا عالميا، تستطيع أن تتباهى به امام كبريات الصحف.

لقد قرأت المقابلة مرتين، الأولى من أجل معرفة ماذا قال أصغر وأوسم ديبلوماسي أمريكي عن المهمة التي أسندت اليه، وهي معالجة ملف الشرق الأوسط الأكثر تعقيدا حتى من ملف الكوريتين.

والمرة الثانية من أجل إيجاد نقاط صارخة تغري بالمجادلة والاختلاف وحتى الاقتتال الكلامي، وبعد القراءتين قررت أن لا تكون مقالتي الموسعة حول اللقاء تقليدية على طريقة هو قال كذا ونحن نرد عليه بكذا ... إذًا فما سأكتبه عن هذا اللقاء لن يكون رداً حرفياً وإنما تسجيلا لمواقف ومفاهيم لابد وأن تقال لإدارة ترمب المنهمكة الآن في الاستطلاع الأخير الذي يسبق إعلان صفقة القرن.

كوشنر يوصف في الإعلام الأمريكي العملاق بأنه أولا صهر الرئيس الأمريكي، ونادرا ما استخدمت صفته الوظيفية كبير مستشارين في أعقد قضية تواجهها البشرية.

الاعلام الأمريكي العملاق يملك قدرات خارقة على الإضاءة المبهرة لمن تحب، والحرق الماحق لمن لا تحب ، وكوشنر طريدة مناسبة للإعلام المعارض لكل ما يفعل الرئيس ترمب، إنهم يعتبرونه المثال الصارخ على أن الرئيس يدير السياسة تارة على طريقة المقاول، وتارة أخرى على طريقة " الفاميلي بيزنيس"

كانت الرسالة التي وصلت العالم من خلال تسليم هذا الشاب غير المجرب اخطر واعقد ملف، ان الإدارة ورغم كونها تطرح عنوانا كبيرا لعملها في الشرق الأوسط الا ان اداتها التنفيذية لذلك اضعف بكثير من هذا العنوان.

لا أعرف إن كان هو من أجاب عن الأسئلة الكبيرة والهامة التي وجهتها "القدس"، ام ان الأجوبة اعدت من خلال مستشارين حاذقين في طرح العناوين، والحديث في كل شيء دون ان يقولوا شيئا جديدا.

لقد كانت إجاباته على الأسئلة المحددة مطلية بطبقة من الزيت، بحيث لا يمكن الإمساك بكلمة واحدة تفصح عن حقيقة ما تتضمنه النسخة الورقية للصفقة، وكيف يمكن أن تطبق، غير أن أمرا لا يصعب استنتاجه هو أنه طلب من الفلسطينيين نسيان ما تقاتل أجدادهم عليه لمصلحة ما يحتاجه أطفالهم للعيش فيه، وهنا يظهر المستشار جهلا أو ربما الأدق تجاهلا لجوهر الصراع بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وجهلا كذلك بوعي الفلسطينيين المتوارث حول أمور ترقى إلى مستوى القداسة ... الأرض والقدس والحرية.

الصفقة إذًا كان ما يقوله كوشنر هو التعبير عنها، فهي تطلب من الفلسطينيين صراحة التخلي عن كل ما يعتقدون به في أمر قضيتهم، واعتباره فكرا متخلفا قديما لا لزوم لمواصلة اعتقاده، مقابل السماح لهم بالصلاة في مسجدهم عبر ممر كسرداب سري، والقبول بتزوير المدينة النابضة بتاريخهم وتراثهم ومعتقداتهم، بخلع اسمها على عدد من الضواحي والقرى التي هي في واقع الامر اطراف الجسد التي لا يمكن ان تكون بديلا عن القلب والرأس .

أما الأرض بالنسبة للفلسطينيين، فهي ليست مجرد وحي ثقافي نسجته ادعاءات وروايات، انها بالضبط وهذا ما غاب عن ذهن صناع صفقة القرن جذر الحياة بل مكوناتها وتفاصيلها، والمقترح عبر صفقة القرن أن يختصر من هذه الأرض ما يمكن اعتباره مكانا او عدة امكنة، يعيش داخل اسوارها سكان امر واقع عجزت إسرائيل عن طردهم فاختارت أخيرا سجنهم في معازل وليسمونها دولة ان احبوا.

الأرض التي قبل الفلسطينيون تحت ضغط الخذلان والمعادلات الحسابية الدولية أن يقبلوا ستة الآف كيلو متر فقط منها كوطن وليس كمخيم لجوء ، هذه الأرض ليست سلعة للمقايضة ، انها شرط حياة ، ومهبط ومنطلق ملايين الاقدام والمعاول الفلسطينية للحياة بكرامة، وابداع البناء والتحقق الحضاري الإنساني ، أين هي في صفقة القرن التي لم تجب حتى الآن عن سؤال الأرض ولربما تركت الإجابة للسيد نتنياهو الذي عرفها على النحو التالي – غور الأردن لإسرائيل ملكا وتحكما، والسيطرة العليا والحاسمة من البحر الى النهر هي لتحالف جيش الدفاع والمستوطنين الذين يطوقون جزر الامر الواقع الفلسطيني بمستوطنات تجعل من الكيان الفلسطيني مكانا غير صالح للكرامة الادمية.

لفت نظري الكلام الجميل والمغلف بطبقة من السكر حين الحديث عن غزة .. نعم أن كل ما قاله عن حاجة اهل غزة لحياة آدمية صحيح ولا يمكن الاختلاف معه، غير أن حكاية غزة تختلف كثيرا وعميقا عن مجرد الحاجة الى ماء نظيف للشرب ودواء غير فاسد للعلاج، وأكياس اسمنت واطنان حديد لاعادة بناء ما تناوبت الطائرات على تدميره مثنى وثلاث ورباع.

من حق غزة أن تحظى بكل التسهيلات الاغرائية التي ترشح عن محاصريها من ميناء فعال الى مطار يعمل، الى اسواق تزدهر بالحياة، الى حدود مفتوحة على كل العالم، وهذا في الأعراف الأخلاقية حقوق بديهية ينبغي ان لا تكون مادة للمقايضة وتدمير الاحلام الوطنية والسياسية.

لقد مر وقت على غزة لم تكن محاصرة وكانت أبوابها مفتوحة بلا قيود على العالم بأسره، وكانت منطقة حرة رعاها المصريون واستفاد منها الغزيون، غير أن ذلك لم يوقف اهل غزة عن ان يكونوا مستنبتا لتجسيد الوطنية الفلسطينية بهوية كيانية مستقلة، هذا امر لم يتغير، فما يرضي غزة ويرضي المنطق والعدالة بأبسط مفاهيمها، أن لا تكون بديلا عن وطن كل الفلسطينيين، وان لا تكون ممرا لتحجيم أو انهاء تطلعاتهم السياسية.

لا انكر ان حرجا يصيبني وانا اتحدث عن حقوق غزة الفلسطينية واندماجها بكل مكونات الوطن وانا اتابع مأساة الانقسام الذي هو صناعة فلسطينية بامتياز، وانهاءه مصلحة فلسطينية بامتياز أيضا، وان كنت اندد بأي مخطط يسعى لجعل غزة كمينا يصطاد الوطنية الفلسطينية ويغرقها في بدائل اغاثية مهما كانت ملحة، الا انها لا ترقى الى مستوى استبدالها بالقيم الاعمق والاعلى.

أشعر بالحرج حين ألوم كوشنر ونتنياهو لانهما وجدا طريقا ممهدة لافكارهم هي بكل اسف من صناعة الفلسطينيين، والمخجل اكثر من المحرج ان الحواجز المقامة على هذا الطريق أقيمت من اجل منع وحدة الوطن وليس من اجل عدم مرور المركبات الإسرائيلية عليها .

أعرف مغزى انتقاد كوشنر للقيادة الفلسطينية، القيادة المتمركزة في رام الله وتلك المتمترسة في غزة، غير ان احباط مرامي كوشنر لم يفكر فيها حتى الان أولئك الجالسون على مائدة القرار السياسي، من في غزة يتهمون من في رام الله بالتواطؤ مع صفقة القرن، ومن في رام الله يتهمون من في غزة بعمل كل شيء يستطيعونه لتمرير صفقة القرن، فما الحيلة مع هذا الحال والى أي مدىً يكون حديثي مقنعا وانا اخوض سجالا مع الأمريكي حامل الملف وصانع الصفقة.