ابو كشك: أوضاع متردية واشكاليات مستعصية تعانيها مخيمات الضفة

نابلس- "القدس" دوت كوم- مدار للصحافة والاعلام - يعاني اللاجئون الفلسطينيون في الضفة الغربية من اوضاع ماساوية ووضع معيشي مترد، ومشاكل مستعصية كالاكتظاظ السكاني والفقر والبطالة وتدني مستوى الخدمات المقدمة لهم ، ما يجعلهم من أكثر الناس حاجة إلى المساعدة والتأهيل .

ويقول مدير عام المخيمات في دائرة شؤون اللاجئين في منظمة التحرير الفلسطينية، ياسر ابو كشك، في حديث خاص بـ"القدس" بأن الصورة مأساوية جدا داخل المخيمات التي تعد شاهدا قائما على جريمة التطهير العرقي والاقتلاع من الارض التي ارتكبها الاحتلال الاسرائيلي منذ 70 عاما، مضيفا انه ورغم ذلك فان المخيمات تعتبر ساحة للنضال والمقاومة ليس بمعنى الدفاع عن المكان فحسب بل بمعنى الدفاع عن حق العودة.

ويُذكّر ابو كشك أن من تولى الإشراف على الخدمات الأساسية والإنسانية إبان النكبة حتى تأسيس وكالة الغوث الدولية، هي الهيئات الخيرية كممثلة عن الشعوب العربية المضيفة. حيث قدمت خلال ذلك الخدمات الأساسية من مأكل ومشرب وبعض الألبسة والأغطية والخيام.

ويتابع انه منذ العام 1950 وفي شهر أيار بالتحديد، بدأت وكالة الغوث الدولية (الاونروا) الإشراف الكلي على المخيمات الفلسطينية وعلى مجمل اللاجئين الفلسطينيين فأخذت بتنظيم هذه المخيمات، وعينت مشرفين وعمال نظافة وأمنت الخدمات الضرورية لهم كالماء ودورات المياه والقنوات العادمة، وغير ذلك من الخدمات السريعة.

السكان والمساحة

يوضح ابو كشك ان عدد المخيمات بالضفة الغربية يبلغ 24 مخيما، منها خمسة مخيمات غير معترف بها من قبل "الانروا" لانها اقيمت على اراض لم تستأجرها الوكالة من الحكومة في تلك الفترة حيث كانت الضفة تابعة للادارة الاردنية حينها.

ويشير الى أن هذه المخيمات غير المعترف بها، لا يوجد بها مكاتب تابعة للوكالة لكن الاخيرة تقدم لسكانها خدمات صحية وتعليمية.

يبلغ أعداد سكان مخيمات الضفة نحو 130 الف نسمة نسمة وفق إحصائيات العام 2018، ولا اتتجاوز مساحة اكبرها وهو مخيم بلاطة شرق نابلس أكثر من كيلومتر مربع في حين يعتبر مخيم العين غربي نابلس الأكثر ازدحاما نظرا لمساحته المحدودة بالنسبة لعدد سكانه الكبير.

ويشير ابو كشك الى تكدس المنازل في ظل الزيادة السكانية الكبيرة بمساحات ضيقة، ونلاحظ التوسع العمودي الذي فاق الحد المسموح به من وكالة الغوث الذي حدد بطابقين فقط، نجده اليوم يصل إلى أربع طبقات ضمن مواصفات بناء رديئة وغير مطابقـة للمواصـفات الهندسية، والارتدادت بين البيوت مما أفقدها الخصوصية، إضافة إلى الإزعاج وعدم التهوية، وقد نبهت لجنة شؤون اللاجئين الفلسطينية إلى ضرورة حل مشكلة الاكتظاظ السكاني داخل المخيمات، وطالبت اللجنة في مشروع القرار رقـم 53/8/3 بضـرورة توسـيع حـدود المخيمات من قبل وكالة الغوث والتنسيق مع الجهات المعنية بهـذا الخصـوص وبمـا يـتلاءم والتزايد الطبيعي المستمر في أعداد اللاجئين وإعادة تأهيل المساكن داخل المخيمات

البناء العمودي لييس وحده ما يعاني منه سكان المخيمات؛ فالتراجع الكبير في الخدمات التي كانت تقدمها وكالة الغوث، فاقم من معاناتهم، حسب "أبو كشك".

ويشرح ابو كشك ان اللاجئين في المخيمات يعانون من صعوبات كبيرة في مختلف مناحي حياتهم اليومية، وتتمثل تلك الصعوبات في المساحة السكنية المحدودة، وعدد السكان الكبير، والبناء العمودي، وضيق الطرقات الداخلية لدرجة أن جمع النفايات في المخيمات يعتبر أمرا صعبا جدا نظرا لضيق المساحة.

واشار الى انه من الصعب حل مشكلة الاكتظاظ المستعصية جدا لان عدد السكان بازدياد والمساحة في المخيمات ضيقة جدا لكن نرى ان بامكان الحكومة حل هذه المشكلة بشراء الاراضي القريبة من المخيمات او استملاكها للمنفعة والدفع لاصحابها بعد تخمين ثمنها والبناء فيها للازواج الشابة او القيام بعمل اماكن ترفيهية او صالات او اسكانات ومتنفسات.

وبالنسبة لحل مشاكل التجاوزات داخل المخيمات كالبناء الرأسي بدون اشراف هندسي او قيام الورش بين المنازل وتربية المواشي وغيرها، قال بان هناك امكانية للمشاركة باقامة مناطق صناعية صغيرة خارج المخيمات باسعار رمزية لنقل الورش من بين المنازل لانها تسبب الضرر والكوارث. واشار الى انه كانت هناك محاولات لتشكيل لجان مشتركة تتكون من وزارة الاشغال العامة والاسكان ومن السلطة القضائية ودائرة شؤون اللاجئين ووكالة الغوث وجهات حكومية مختصة لوضع حد للبناء بدون استشارات هندسية او تراخيص لكن الامر لم يتمخض عن اجراء عملي على الارض.

المستوى التعليمي

وتطرق ابو كشك الى ان برنامج التعليم الاساسي لوكالة الغوث في المخيمات والذي يتألف من مرحلتين مجموعها تسع سنوات بالاضافة الى بعض التعليم المهني.

وتحدث عن واقع التعليم في المخيمات الفلسطينية وسلبياته التي تعيق الوصول الى الحالة المثلى في عملية التعليم والتي تتمثل في الاكتظاظ في الصفوف حيث تصل إلى 45 طالبا وطالبة في الغرفة الصفية الواحدة، وأحيانا يتجاوز العدد 50. كما ان المباني تفتقر الى المواصفات الخاصة في بعض المدارس. واشار كذلك الى انتشار ظاهرة التسرب من المدارس بسبب توجه عدد من الطلاب الى العمل مبكرا نتيجة الاوضاع الصعبة التي تعاني منها الاسر في المخيمات، بالاضافة الى تراجع عدد المدرسين قياسا إلى عدد التلاميذ من اللاجئين في المخيمات الفلسطينية بعد أن أوقفت وكالة الغوث تعيين المعلمين، وفي حال تم التعيين يكون بناء على عقد مؤقت وبالتالي يتم استيعاب المعلمين الأقل كفاءة وبهذا الاهالي لم يثقوا في تعليم الوكالة لنقص الكفاءات في بعض المدارس ويتم نقل ابناءهم الى مدارس الحكومة.

وذكر ابو كشك ان وكالة الغوث باشرت بإجراءات متشددة لعدم استقبال أي طالب لا يحمل صفة لاجئ في توجه منها لإغلاق بعض المدارس وانهاء عمل المزيد من المعلمين لديها علما ان عدد الطلاب غير اللاجئين في مدارس وكالة الغوث لا يتجاوز 8 الاف طالب وطالبة في حين ان الطلبة اللاجئون الذين يدرسون في المدارس الحكومية الاساسية يتجاوز 150 الف طالبا، وعلى سبيل المثال فان مدرسة نابلس (تابعة للوكالة) اصدرت الوكالة قرارا بمنع نقل طلاب من المخيمات او المناطق القريبة من المدرسة لها مما يؤدي الى توجه الطلاب للدراسة في مدارس حكومية ، وبذلك يقل عدد الطلاب وعدد المعلمين وتغلق الوكالة المدرسة كما حصل في احدى مدارس القدس اغلقت لهذا السبب ، وهكذا في باقي المدارس كما ان هناك عجز في مراكز التأهيل المهني لاستيعاب كافة الطلاب المتقدمين لديها.وتوقف الوكالة عن صرف جميع أشكال المنح المالية.

المستوى الصحي

وقال ابو كشك بان الخدمات الصحية في المخيمات الفلسطينية التابعة لوكالة الغوث تخضع إلـى منظمة الصحة العالمية، وهذه الخدمات في مجملها بسيطة جداً، وتكاد لاتشمل سوى جزءا بسيطا من الحاجات الأساسية للاجئين، بالرغم من هذه الخدمة المقدمة والتي تتسم بالتقشف والبسـاطة، فقد كانت على الدوام عرضة للتقلص عاماً بعد عام. ويشمل برنامج الصحة المقدم من قبل وكالة الغوث أربعـة أقسام رئسية،هي :خدمات الرعاية الطبية، ومكافحة الأمراض ومراقبتهـا، وصـحة الأسـرة، وخدمات البيئة الصحية.

وبالتالي، فإننا نلحظ عدم توفر الأدوية في عيادات المخيمات لأوقـات طويلة ونقص أدوية محددة كأدوية الضغط والسكري والروماتيزم وزيـادة عـدد المـراجعين من المرضى للأطباء ووجود طبيب واحد فقط وإغلاق العيادات أبوابهـا مبكرا بالإضافة إلى عدم وجود أطباء مختصين، وتقليص مساهمة الوكالة في تغطية العلاج في العديد من المستشفيات التي تتعاقد مع الوكالة.

كل ذلك أدى إلـى تدهور الأوضاع الصحية في المخيمات، وانتشار الأمراض المزمنة ، وبالنسبة للنساء فقد ارتفعت حالات الإجهاض بسبب انخفاض نسبة التطعيم ضد الأمراض.

ولفت الى أن الوكالة تلزم اللاجىء الذي يحتاج إلى عملية جراحية في المشفى بدفع 25% من التكلفة، وبالتالي يتوجه للتأمين الحكومي الأوفر بالنسبة له وهناك توجه مؤخرا الى انهاء التحويلات الطبية بشكل نهائي.

وأخيرا نتيجة لذلك فان الواقع الصحي في المخيمات صعب للغاية واتساع الهوة بين الحاجيات والخدمات المقدمة وانتشار الامراض ومن هذه الامراض جاء نتيجة الظروف الصعبة والمعاناة والرطوبة وقلة عدد عمال النظافة وتراكم النفايات التي تسبب مرتع للقطط والكلاب والخنازير اضافة للاضطرابات النفسية والروماتيزم وسوء التغذية وامراض الحمل ومضاعفاته وارتفاع نسبة الوفيات بين الاطفال والأمراض الطفيلية المعوية وفقر الدم.

البرنامج الإغاثي

وشدد ابو كشك على ضرورة تحمل وكالة الغوث لمسؤولياتها الخدماتية تجاه اللاجئين الفلسطينيين في المخيمات من صحة وتعليم وإغاثة اجتماعيـة، مشيرا الى ان الوكالة عملت على تقليص خدماتها بالرغم من الزيـادة الطبيعيـة للسكان داخل المخيمات وسوء الاوضاع وتدهورها فيها بسبب ممارسات الاحتلال وتدمير البنية التحتية نتيجة المداهمات والاغلاقات المستمرة والبطالة المتفشية، وهذا يتطلب جهداً من السلطة الفلسطينية ولجان مشكلة عن المخيمات للضغط على المجتمع الدولي للوفاء بالالتزامات، من خلال مضاعفة الموازنات التابعة لوكالة الغوث الدولية، لتغطية النفقات في المجالات الحيوية المتعلقـة بالصحة والتعليم والإغاثة الاجتماعية.

واشار الى ان برنامج الإغاثة والخدمات الاجتماعية يشكل حجر الأساس في برامح الخدمات المقدمـة من قبل وكالة الغوث الدولية، وكان يقدم خدماته في البداية إلى جميع سكان المخيم بلا اسـتثناء، ولكن منذ عام 1982م، تراجع تقديم هذه الخدمة بصورة حادة، إذ تـم التوقـف عـن صـرف حصص الإعاشة للاجئين المسجلين في المخيم، واقتصر توزيع الحصص على فئة حالات العسر الشديد فقط، ما أثر سلباً على حياة العديد من أبناء المخيم الذين كانوا يعتمدون بشكل كبير على هذه الخدمة المقدمة من قبل وكالة الغوث الدولية

البطالة

أوضح ابو كشك ان نسبة البطالة في المخيمات مرتفعة جدا اكثر منها في المدن والقرى، لانها تعتبر الاكثر فقرا والاقل مشاركة في الوظيفة العمومية بسبب كبر حجم الاسرة بالرغم من ارتفاع نسبة التعليم .

وقال: "نجد أن غالبية سكان المخيمات لايشـكلون وحـدة إنتاجية، فلا أرض حول المخيم يعتاش السكان من زراعتها، ومجالات العمل وسط المخيم ضئيلة، ومحلات البيع المتواضعة، وبعض ورش العمل بدائية، وهذا يؤكد الحاجة الماسة للمساهمة الفعالة من أطراف ذات علاقة بالتنمية الاقتصـادية، وايجاد أنشطة اقتصادية حيوية وفعالة، تفتح الأفق أمام اللاجيء الفلسطيني، وهذا يدعونا إلى التفكير بإنشاء شركة وساطة مالية، تقدم رؤى وتصورات ودعماً مالياً لمشروعات إنتاجيـة، وتـوفير الفرص من التدريب والتأهيل لضمان نجاح هذه المشاريع في المخيمات، موضحا ان أن تحسين الوضع الاقتصادي مرتبط بشكل أساسي بالتخطيط العمراني للمخيم وتطوير بيئته.

الاوضاع الاجتماعية

وفيما يتعلق بالاوضاع الاجتماعية في المخيات، قال ابو كشك أن المخيم فرض فرضا على افراده الذين هجروا من اراضيهم بقوة السلاح من الاحتلال الاسرائيلي عام 1948 حيث كانت المخيمات في بداياتها عبارة عن تجمع تراكمي لا يشكل جسما اجتماعيا متماسكاً، ولا حتى يتوفر فيه مقومات الحياة الانسانية.. ولم يكن المكان في معظم الحالات يهيء حتى فرصة الاتصال الطبيعي بمراكز الحيـاة التي تقع بالقرب منه، ويكاد يخلق إحساسا لدى من يحتويه بأنه مهمل لا يجذب إليـه أحـدا ولا يمكن أيضا أن ينجذب إليه أحد كما انه يذكرهم بما فقدوه. وهكذا نجدهم يدفعون بقوة نحو الإحباط ، فالشاب الذي يملك الطاقة الإنسانية للعمل لا يجد أدنى فرصة للعمل داخل المخـيم، وينظر إلى المحيطين به، حيث فرص الحياة ضعيفة من حوله لا تهيء له كل فرص العمل، كل هذا يدفع به إلى التفكير في الحصول على موارد الحياة المعيشية حتى لا يفقد الحاضـر الـذي يعيشه بكل ما يعنيه من تطوير وتلقائية وانطلاق.

وقد برزت العديد من الظواهر الاجتماعية في المخيم مثل الزواج المبكر، وتفشـي عمالـة الأطفال بشكل مقلق داخل المخيمات، والفقر، والانفـلات الأمنـي، وتفشـي ظواهر السرقة، والتسرب، ومظاهرالإحباط لدى الشـباب، والضـغط النفسـي عنـد النسـاء وخصوصاً ما يتعرضن له من عنف أسري بمختلف أشكاله.

وأضاف ابو كشك ان التقليص الكبير في خدمات وكالة الغوث للاجئين يعد أبرز الصعوبات التي تواجه اللاجئين خلال السنوات الأخيرة؛ حيث طال التقليص الخدمات الصحية والتعليمية والإغاثية. وقال ان قضية  اللاجئين مسألة أساسية لا تقل أهمية عن قضايا القدس والحدود والاسرى وغيرها من القضايا الأساسية المطروحة على طاولة المفاوضات، ويجب ان يلتف حولها مجمل الشعب الفلسطيني حيث نسبة اللاجئين في الضفة تشكل 30% وفي قطاع غزة 70% .

وقال انه يجب ان نستثمر في الدول الصديقة الداعمة لحقوق الشعب الفلسطيني لتغطي العجز في ميزانية "الاونروا" التي هي الشاهد على نكبة الشعب الفلسطيني والتي بلغت حوالي 450 مليون دولار. وكانت بعض الدول مثل تركيا الكويت البرازيل اليابان والاتحاد الاوروبي قد دعمت الوكالة بنحو 150 مليون دولار، وبذلك نكون قد منعنا هيمنة الولايات المتحدة الامريكية واسرائيل التي قلصت الدعم لميزانية الوكالة والسيطرة عليها وعلى سياساتها والتي ستؤثر سلبا على المناهج الفلسطينية في مدارسها وتتدخل بها بشكل سافر. وكانت بعض الدول في مؤتمر روما تعهدت بسد العجز الا انها لم تف بالتزاماتها .اما عن دور اللجان الشعبية قال ان على عاتقها تقع اعباء كبيرة ويجب مساندتها من اهالي المخيمات ومن السلطة والقضاء والمحافظ والبلدية حتى تستطيع ان تقوم بواجباتها كاملة تجاه المواطنين من جميع النواحي .

وختم ابو كشك انه على سكان المخيمات ان يأخذوا زمام المبادرة ويقرروا مستقبلهم بأنفسهم ويفكروا كيف يديروا حياتهم في المخيمات ضمن منهج تشاركي شمولي لتحسين اوضاعهم وان يعلو صوتهم للمطالبة بتوفير حياة افضل لاطفالهم في المستقبل لحين تحقيق حلمهم بالعودة الى قراهم ومدنهم وبلداتهم التي هجروا منها.