السرايا على درب المنارة!

بقلم: الدكتور أحمد جميل عزم

تكتمل حلقة من المفارقات الغريبة، في المشهد الفلسطيني، مع اعتداء عناصر من حركة "حماس"، في غزة، على تظاهرة يفترض أنّها خرجت ضد إجراءات تقوم بها حكومة الرئيس الفلسطيني محمود عباس، ولكن ما حدث في رام الله في الأيام التي سبقت عيد الفطر الفائت، وما تبعه في غزة، يوم الاثنين 18 حزيران (يونيو)، يؤكدان وجود رفض لدى السلطتين؛ الرسمية الحكومية، وعمودها الفقري حركة "فتح" في رام الله، وسلطة الأمر الواقع، وقوامها حركة "حماس"، ليس من أي رأي آخر، وحسب، بل ومن أي قوة سياسية أخرى، سواء أكانت تتبنى موقفا سياسيا معارضا أو لم تتبنّ ذلك.

يفيد المنطق السياسي، بما في ذلك منطق المناورات والاستقطاب، أنّ موظفي السلطة الذين عينوا قبل العام 2007 في قطاع غزة، هم الذخيرة الاستراتيجية لحكومة رام الله، وأنّه إذا تشكلت حكومة جديدة فعلاً، وتم دمج موظفي حركة "حماس" في السلطة، أنّ هؤلاء هم صمام أمام التوازن الذي تعتمد عليه حكومة، مقربة من "فتح" لمنع استمرار السيطرة الفصائلية لحماس، في القطاع. وبالمنطق ذاته، فإنَّ تَخَلي حكومة رام الله عن هؤلاء الموظفين، واختيارهم من بين كل مكونات المشهد الغزي ليكونوا هم بالذات "السنديان" الذي تهوي عليه مطرقة "الإجراءات" المتخذة في رام الله، يُقدِّم لحماس فرصة لاستقطابهم، واحتوائهم. وعلى الأغلب كانت الحسابات في بداية الانقسام على هذا النحو: رام الله تريد الإبقاء على العلاقة والولاء عند هؤلاء، و"حماس" حاولت بداية قطع العلاقات بينهم وبين رام الله. ولاحقاً اتضح لحماس أنّ هؤلاء ورواتبهم جزء من سبل تقليص الأزمة المالية، وربما اتضح للحكومة الفلسطينية، أن هؤلاء عبء مالي، واتضح للقيادة السياسية الفلسطينية، أنه يمكن الضغط على "حماس" أكثر عبر موظفين في غالبيتهم مؤيدين للسلطة ولفتح، ليس بتحريك هؤلاء، بل بالضغط عليهم.

ما يحدث الآن هو أولاً، العودة للتعريف الصفري للصراع، فكل من "فتح" و"حماس"، وحكومات وأجهزة أمن الفصيلين، يريان أن أي شيء يجب أن يكون مكسباً لهم، وخسارة للآخر. وبالتالي، ترى الحكومة والأجهزة الأمنية في رام الله، أن أي معارضة لها، هي مكسب لطرف آخر (حماس أو غيرها). والعكس صحيح، أي معارضة لحماس، تُرى مكسباً لفتح والسلطة والرئاسة.

وثانيا، والأهم، أن ما يحدث، يفسر حالة القلق من أي قوة أخرى، فعلى سبيل المثال، لا ترغب "حماس" برؤية جهة مستقلة تنظم مسيرات العودة، في غزة، أو جزء منها، وتخشى أن يكون هذا مقدمة لبروز قوة جديدة، أو قوة تعمل لصالح فصيل آخر، وتحديداً "فتح"، ومن هنا ترفض مثلاً، تنظيم تأبين مستقل لشهداء من فصائل سوى "حماس"، وهو ما رأيناه في حالة الشهيدة رزان النجار. وفي المقابل ورغم كل الدعوات للمقاومة الشعبية، وللتظاهر، ضد قرارات الإدارة الأميركية بشأن القدس، فإنّه كان هناك أولاً تتبع لأي جهات أو شبان، استطاعوا تحريك احتجاجات بشكل مستقل، في سعي لمعرفة، من هم، وهل هناك من يدعمهم، وهل يتبعون جهة ما؟ وثانيا، هناك خوف مقيم، من إمكانية ما يسمى "اختطاف" أي حراك احتجاجي كبير، لصالح "حماس"، بمعنى الخوف أن تتحول احتجاجات ضد الاحتلال لشيء داخلي.

بعيداً عن منطقي المناورة والاستقطاب، اللذين كان يجب أن يحفزا القوى المسيطرة في الضفة وغزة، لحوار واحتواء، المتظاهرين لديهم، ولدى الجهة الأخرى، والعمل على تحويلهم لحلفاء، فإنّ المنطق الوطني يفترض أيضاً الإصرار على الحرية والتعددية والحوار، وعدم البدء بالتشكيك في نوايا واتجاهات الآخرين سلفاً، قبل أن يكون لهم أي توجه أو مطالب او انتماءات سياسية واضحة، والبحث عن القوى الصاعدة لدمجها في مشروع وطني.

ما يحدث يعكس حالة من عدم الثقة بالذات، وعدم الثقة بأن لدى أي من الطرفين، مشروعا وطنيا يتضمن آليات عمل يومية واضحة تندمج الجماهير فيها يومياً، من مقاطعة ومواجهة مع الاستيطان وعصيان مدني، و...إلخ. وبالتالي هناك خوف من أي قوة سياسية أخرى حتى لو تبنت مواقف سياسية غير معارضة، فالمهم أن لا تكون مستقلة، لأنها قد تتحول إلى بديل، ولأن وجودها يكشف الثغرات والنقص الموجودين لدى القوى القائمة.

ahmad.azem@alghad.jo-جامعة بيرزيت

... عن "الغد" الأردنية