إيران... ما بين القوة والسلوك القومي

بقلم: الدكتور ناجي صادق شراب

استاذ علوم سياسية - غزة

في كتابهما نظرية السياسة الخارجيه أشار الكاتبان جلين بالم وكليفتون إلى إن الدول في سياستها الخارجية تسعى إلى تحقيق إحدى السلعتين أو كليتهما معا، وهما الحفاظ على الوضع القائم أو السعي لتغيير الوضع القائم، وهذا السعي والسلوك يعتمد على حجم الموارد وعناصر القوة المتاحة والممكنة للسياسة الخارجية. إلا إن هذه الحسابات تتوقف أيضا على نفس السلوك للدول الأخرى ، وهنا الإشكالية السياسية التي تواجه الدول وخصوصا في مناطق الإستهداف الإستراتيجي كالخليج والعالم العربي ، هذا التوصيف ينطبق على السياسة الخارجية الإيرانية ودورها وسعيها لأن تصبح دولة قوة إمبراطورية.

وهنا توظيف القوة والسعي لإمتلاك القوة النووية لتحقيق الهدف أو السلعة الثانية بتغيير الأمر القائم بما يتفق ونظرية الدور والتمدد المكاني التي تسعى إيران لتحقيقها. وفي يقيني هنا تقع إشكالية السياسة الخارجية الإيرانية، وإشكالية علاقاتها مع دول المنطقة وخصوصا منطقة الخليج العربي ،التي تعتبرها إيران منطقة مجالها الحيوي التي لا ينازعها عليها أحد بما فيها دول المنطقة ، والدول الكبرى كالولايات المتحدة التي تعتبر المنطقة منطقة مصالح إستراتيجية عليا ، ومنطقة لا يقبل ان تنازعها قوى أخرى.

وهذا لمسناه بعد الحرب الثانية والتنافس بينها وبين الإتحاد السوفيتي الذي كان من أهدافه الوصول للمياه الدافئة .

وما لم تدركه السياسة إلإيرانية أن دول المنطقة لم تعد هي نفس الدول التي تعاملت معها في سبعينات القرن الماضي، فاصبحت لهذه الدول دورها ورؤيتها لمجالها الحيوي التي لا تقبل بسيطرة أي دولة أخرى، ومن هنا التنازع والخلاف بين الدول الخليجية وإيران التي تسعى لبسط سيطرتها على منطقة مجال حيوي ليست لها.

وإستنادا لنظرية القوة في العلاقات الدولية قد يكون من حق أي دولة ان تملك وتطور سلاحها الخاص بها بما لايشكل تهديدا لغيرها من الدول الأخرى ، ولا إعتراض على حق إيران أن تصبح دولة قوة ، لكن الإعتراض على السلوك السياسي، والدور الإيراني الذي تسعى لنشره. أحد أهم إشكاليات السياسة الايرانية تكمن في سلوكها السياسي، والبعد القومي الفارسي الذي يطغى على تحديد إدراك ورؤية النخب الحاكمة فيها، ومما زاد الأمور تعقيدا أيضا إضفاء البعد الديني الطائفي الشيعي على سياستها، وكأن ما دون ذلك يعتبر عدوا لها.

وهذا الذي يقف وراء كثير من القرارات والسياسات التي تنتهجها إيران، ومنذ ان تخلصت من وظيفة ودور شرطي الخليج بالوكالة في زمن الشاه إلى دور الدولة صاحبة الدور المباشر بعد الثورة الخمينية بدأت ملامح هذا الدور في التبلور والتشكل، وبدلا من الإنفتاح والتحرر من العقدة القومية إلا ان الثورة تمسكت بها وبدرجة أكبر، فقوت سيطرتها على جزر الإمارات الثلاث التي إحتلتها في أعقاب الانسحاب البريطاني في سبعينات القرن الماضي، ودخلت في حرب مع العراق، وأعلنت أن أحد أهدافها تصدير مبادئ الثورة ليس فقط للمناطق المجاورة بل حيث تتواجد الجاليات الشيعية، والتأكيد على ان الخليج كله خليجا فارسيا، وأن مفهوم الأمن الفارسي هو الذي يسود، وجددت مطالباتها بالبحرين، وهذا كله تسبب في خلق حالة من إنعدام الثقة وفقدان الحوار.

ولقد أدركت إيران الثورة أن هذه الأهداف الإمبراطورية تحتاج إلى تطوير قدراتها العسكرية وخصوصا السعي الحثيث لإمتلاك القوة النووية إيمانا منها ان ذلك يحسم دورها في المنطقة ، والقبول به من قبل كل الدول الأخرى المعنية ، والتأكيد على ان هذه المنطقة منطقة نفوذ إيرانية لا تقبل تغيير الأمر الواقع فيها، وبدأت فعلا في عمليات التخصيب لتصل لمرحلة فرضت على الولايات المتحدة والدول الأوروبية بما يعرف بمجموعة5+1 لتوقيع الاتفاق النووي الذي منح إيران هامشا واسعا من الحركة السياسية ، وتوسيع دائرة نفوذها مستغلة حالة الضعف العربي بعد ما عرف بحركات الربيع العربي ، وتراجع واضح لدور الدولة القطرية ، وبروز دور الأقليات الطائفية، فسعت أولا لمد هذا النفود للعراق بما يمثله من أحد أهم مجالات الأمن القومي لدول الخليج في الشمال، ومنها لليمن وتقوية جماعة الحوثيين، بما يمثله الجناح الجنوبي لأمن دول المنطقة وخصوصا السعودية العربية.

ولم تكتف بهذا الدور بل سعت وبشكل سريع لتثبيت دورها في لبنان وسوريا من خلال الدور الذي يقوم به حزب الله, وصولا للبحر المتوسط وبناء قاعدة عسكرية فيها، متجاهلة أن هذه المنطقة تعتبرها إسرائيل مجالها الحيوي، ومن هنا تزايد إحتمالات الحرب بين إسرائيل وإيران والتي في حال وقوعها ستكون على حساب المصلحة وألأمن العربيين.

إذن الهدف واضح بالنسبة لإيران تثبيت مشروها القومي الإمبراطوري الذي تتجاوز حدوده حدودها السياسية، ويتجاوز حدود دول الخليج العربي ليصل إلى الحدود العربية لمفهموم الامن القومى العربي. وما لم تحسب له إيران الحساب تولي الرئيس ترامب وحزبه الجمهوري للحكم ، وان ادارته من أشد الادارات مهاجمة للإتفاق النووي ، ولتنتهي التطورات بإنسحاب الولايات المتحدة منه ـ ليفقد الاتفاق أحد أهم العناصر الدولية له ويضع مستقبله على المحك، ويضع إيران أمام خيارات محدودة في مواجهة الضغط الامريكي وفرض العقوبات عليها.

في هذا السياق لعبت غطرسة القوة دوراً حاسما في السلوك السياسي الإيراني ، ولم تدرك وتتفهم طبيعة التحولات في موازين القوى الإقليمية والدولية ، وتجاهلت أن دول الخليج لم تعد الدول الضعيفة التابعة، بل أصبحت أيضا دول قوة ، وقادرة على الرفض ومقاومة كل سياسة تنال من مصالحها القومية، ولم تتفهم أن الولايات المتحدة ما زالت الدولة الأحادية المتحكمة في القرار العسكري عالميا، ولم تتفهم أيضا خارطة التحالفات الجديدة التي حكمت دول المنطقة بالقوى الدولية كروسيا والصين وغيرها.

إذن إشكالية السياسة الخارجية الإيرانيه تتمثل في العناصر التالية:

أولا: في سيطرة البعد القومي الفارسي على سلوك سياستها الخارجية.

ثانيا: توسيع حدود الدور الإيراني بما يواكب طموحاتها بدولة إمبراطوره.

ثالثا: توظيف البعد الديني في صراعاتها وخلافاتها مع الدول العربية.

رابعا: تفعيل دور الحرب بالوكالة من قبل الجماعات والأحزاب التي تنتمي لها كحزب الله في لبنان وسوريا وغيره من القوى الفلسطينية والإسلامية في العراق .

خامسا: التفكير بمنطق القوة الاحاديه المدعومة بتطوير قدراتها العسكرية الصاروخية . الإعتراض يكمن على السلوك السياسية على المشروع الإيراني الذي تسعى لفرضه وإستبداله بالمشروع العربي ، والتعامل مع كل المنطقة أنها منطقة نفوذ ومصالح عليا إيرانية وهي بذلك تعيد للأذهان نظرية فراغ القوة في المنطقة .

هذا السلوك وليس قوة إيران هو المرفوض عربيا ودوليا، وهذا ما لمسناه في أول خطاب لوزير الخارجية الأمريكية مايك بومبيو الذى وضع إثني عشر شرطا من بينها تسعة شروط تتعلق بالسلوك الإيراني في المنطقة وتحميلها المسؤولية المباشرة على إنتشار العنف وموجات الإرهاب في المنطقة. لتصبح إيران الآن أمام خيارات محدودة إما خيارات المواجهة العسكرية وهو ما يكلفها نظام الحكم فيها أو خيار تغيير النظام بممارسة الضغط الإقتصادي وتقوية قوى المعارضة الداخلية وإما الذهاب للخيارات العقلانية بمراجعة هذا السلوك، وتقديم مبادرات تنزع عدم الثقة ، والتهيئة لحوار يقوم على المصالح المشتركة، بعيداً عن سياسات القوة والهيمنة، الأحادية ومراجعة السلكوك كأحد الخيارات التي قد تفتح نوافذ في الحوار.