مرثية اللطم والبكاء والندب لن توقف انهيارنا المجتمعي

بقلم: راسم عبيدات-القدس

بات الجميع يدرك تماماً حجم ما نعانيه من انهيار تام في شبكة منظومتنا القيمية والأخلاقية والثقافية والفكرية، بحيث لم تعد هناك ضوابط أو كوابح ولا خطوط حمراء ولا صفراء...وعمليات القتل متواصلة وبإستهتار ودون مراعاة لأي وازع أخلاقي او ديني أو قيمي، وتجري على أسباب تافهة وسطحية، وهي باتت ظاهرة تهدد بشطر وتفكيك النسيج المجتمعي وتدميره، وخلق ندب عميقة وثارات متوارثة في المجتمع يصعب دملها أو تجاوزها، وهي كذلك اضحت مقلقة وخطرة جداً في الداخل الفلسطيني- 48- بما يهدد بتحول المجتمع الى مليشيات وعشائر وقبائل وتجمعات سكانية، بما في ذلك ظاهرة " الطوش" والإحتراب العشائري والقبلي والعربدات والزعرنات والتعدي على حقوق وممتلكات الناس في القدس وباقي أنحاء الضفة الغربية، والتي لا تلقى رادعاً، حيث لم يعد الوعظ والإرشاد والتوجيه والخطب والجماعات و"اللمات" والندوات والمحاضرات بقادرة على وضع حد لهذه الظواهر المقلقة، او حتى تخفيض مستواها في المجتمع.

ما نراه ان هذه الظاهرة تتبع وتأخذ أبعاداً خطيرة في التجييش العشائري والقبلي والجهوي...وتشكل تحدياً خطيراً للمجتمع يتفوق على خطر الإحتلال.

إن من يسمون انفسهم بأهل الحل والعقد بات لزاماً عليهم البحث عن حلول تحمل الطابع النوعي والإبداعي، والتي تصمد وتدوم في أرض الواقع، وليس الحلول الترقيعية، بحيث تمنع استفحال مثل هذه الظواهر ومحاصرتها تمهيداً لتخفيضها الى أقصى حد ممكن.

واستفحال مثل هذه الظواهر يعني تسجيل نجاحات للمحتل في اختراق وتفكيك نسيجنا المجتمعي، وهي جبهة خطيرة من شأنها دفعنا الى كارثة حقيقة من الفوضى العارمة والإقتتال والإحتراب الداخلي..وعدم الشعور بالأمن والأمان، لكي تصل الأمور الى حد دفع الناس للقول بأن بقاء الإحتلال "جنة" لما يحصل في واقعنا وحياتنا الإجتماعية من قتل وتخريب وتدمير.

مثل هذه الظواهر تصاب بها الشعوب المهزومة، ونحن كعرب قيادة واحزاباً ومؤسسات مجتمع مدني وشعوباً هزمنا، والهزيمة شاملة وبدرجات متفاوته.

يجب علينا الآن ان نبحث عن حلول جدية وحقيقية لمثل هذه الظواهر، التي تدفع بنا نحو كارثة حقيقية، من اجل تمكين وتحصين جبهتنا الداخلية، التي باتت مخترقة...حيث نجد ان ليس فقط هناك غياب للقانون في المناطق التي يجب ان يسود فيها القانون، ومرد ذلك الى عدم وجود مساءلة ومحاسبة حقيقية، حيث أن القانون مغيب والردع بات شكلياً...وفي الجانب العشائري بات الناس يردكون تاماً ان دور لجان الإصلاح والعشائر ليس أكثر من اطفاء حرائق وسياسة " الطبطبة " و "لم الطابق" و" فوتلي بفوتلك".

وهذه الظواهر المنتشرة والمستفحلة استفحال النار في الهشيم، ترجع الى سيادة ثقافة العنف في مجتمعاتنا والتي تغذيها قوى مختطفة للدين ومستغلة له إضافة لعوامل أخرى، وما يحدث في محيطنا وواقعنا العربي، حيث القتل اليومي المغذى بفكر متشدد وداعشي وداخلياً شدة حالة القمع والتنكيل التي يمارسها الإحتلال بحقنا تدفع بنا للتفريغ عن أزماتنا من خلال الإحتراب الداخلي والقبلي والإستقواء أحياناً بالإحتلال واعوانه ورموزه للتدخل بيننا وحل مشاكلنا، وكأن الإحتلال بات مكون طبيعي وصاحب السلطة علينا الذي يجب ان نلجأ له لحل مشاكلنا. وكذلك واضح بان ما نحتاجه هو اعادة صياغة مفاهيمنا ومناهج تعليمنا التربوية ... وكذلك استبعاد الكم الهائل من البرامج والندوات والمحاضرات التي تعبء بثقافة أننا طلاب موت وليس حياة ... وقبل ذلك علينا ان نقر بأن مجتمعاتنا مأزومة وأزماتها اخذة بالتعمق اجتماعياً وفكرياً وثقافياً .... حتى بتنا نعاني من ازمة هوية وإنتماء، وان جرى ويجري التعبير عن ذلك بشكل سطحي ومشوه....منظومات الفكر والثقافة والوعي تنهار، ونشاهد ونرى بأن منظومة كاملة إعلامية، ثقافية، فكرية، دينية ومجتمعية تعمل على غسل الوعي وتغييب عقول الناس، وغرس ثقافة القتل والعشائرية والقبلية عندهم، كما ونشاهد اجيالاً شبه أمية في المدارس، وتتربى على سلوك لا معياري من الدجل والنفاق والكذب والغش والفهلوة والزعرنة.

اليوم أكثر من أي وقت مضى بتنا بحاجة الى توحيد رؤيتنا ومفاهيمنا تجاه ما يحدث في مجتمعنا من انتشار لثقافة العنف والإستقواء وممارسة سلوك البلطجة والزعرنة والتعدي على حقوق وكرامات الناس... بتنا بحاجة الى ان نبحث عن حلول طويلة الأمد لمثل هذه الظواهر وحلول وقائية تمهد لمثل هذه الحلول.. وعماد هذه الحلول التخلص من أمراض العشائرية والقبلية، ونبذ ومحاصرة كل الأفراد والجماعات التي تعمق الإنقسامات والعشائرية والقبلية في مجتمعاتنا، حيث من يتحمل المسؤولية المباشرة هنا، هي السلطة القائمة والقوى والأحزاب السياسية بمختلف مسمياتها.

يجب أن ندق ناقوس الخطر، وبالمقابل يجب أن يكون هناك من يعلق الجرس، قبل ان تنتشر ظاهرة العنف والقتل والإحتراب العشائري والقبلي، انتشار النار في الهشيم،وبما يصعب من السيطرة عليها ومحاصرتها، فالداء لدينا مشخص تماماً، ولكن ما يلزم هو الدواء، والدواء يجب أن يكون في وقته، وليس بعد فوات الآوان.

الحل يجب أن يكون جماعياً، وأن تشترك فيه كل الأطراف الأسر والعائلات، تربية البيت والأسرة والبيئة المحيطة، المدارس والمؤسسات التعليمية والتربوية، وكذلك المؤسسات الدينية من شيوخ ورجال دين من كل الطوائف، ومطارنة، سلطة وقوى وطنية وسياسية ومؤسسات مجتمع مدني، وكذلك رجال الإصلاح والقيادات العشائرية.

الحل يحتاج الى شبكة واسعة من التدخلات والتكاتف والتعاون من كل الأطراف، حل يحتاج الى تشكيل خلايا أزمة وطوارىء، تتابع بشكل حثيث كل التطورات وتتواصل مع كل أصحاب العلاقة، وتتخذ قرارات حاسمة في المعالجات، بعيداً عن اسقاط الذات والجهوية وأصحاب النفوذ على المخرجات العلاجية لأن ذلك من شأنه ان يضعف من هيبة وصدقية الجهة التي تتخذ مثل هذه القرارات، ويجب ان تلقى قراراتها ومعالجاتها الدعم والإسناد، ليس فقط على المستوى الفوقي، بل يجب ان يتجند لها إطار جماهيري وشعبي واسع كحاضنة.

اذا كان الفساد يهز أركان دول ويهدمها، فإن تفشي مظاهر العنف والجريمة، تنخر مبناها المجتمعي وتفككه، ويصبح المجتمع عرضة للتدمير الذاتي، وما يحصل في الوطن العربي، هو نتاج لمشاريع وسياسات إستعمارية، تريد هدم وتفكيك مجتمعاتنا خدمة لمشاريعها واهدافها.

Quds.45@gmail.com