إعلان الدولة الفلسطينية

بقلم: الدكتور ناجي صادق شراب

التداعيات السياسية لإعلان الدولة الفلسطينية. 
إعلان المجلس الوطني الفلسطيني مرحلة الدولة الفلسطينية، والرئيس محمود عباس رئيسا لها، ليس مجرد إعلان شكلي أو رمزي، بل يحمل في طياته دلالات سياسية عميقة، ينبغي الوقوف عندها لما لها من تأثير مباشر على إدارة وحل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

وبداية لا بد من التأكيد على عدد من الملاحظات التي يحملها الإعلان قبل الولوج لتحيل التداعيات. أول هذه الملاحظات أن إعلان الدولة يعني أننا أمام شخصية دولية جديدة، بما تحمله من دلالات سياسية.

الملاحظة الثانية رغم التأكيد على ان منظمة التحرير هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، لكن الشخصية الدولية للدولة وليس للمنظمة، وهذه ملاحظة هامة جدا، وهو ما يعني ان المنظمة يمكن ان تتحول لأعلى سلطة تنفيذية في المرحلة الإنتقالية. او ان تتحول لمرجعية سياسية عليا. الملاحظة الثالثة أن للدولة مؤسساتها المتعارف عليها ولها أركانها الثلاث التقليدية، وهي متوفرة للدولة بإستثناء إكتمال الإقليم كون جزءا منه تحت الاحتلال الإسرائيلي، وإنهاء الاحتلال مسؤولية دولية وفلسطينية. والملاحظة الرابعة والحاسمة ولها أهميتها السياسية والقانونية أن الإعلان عن الدولة يعني ان حدود الصراع باتت مرتبطة بحدود الدولة ، ويعني أيضا الإعتراف بإسرائيل دولة في إطار حدود معترف بها، والتمسك بحل الدولتين. وقد يترتب على الملاحظة الأخيره ملاحظة خامسة وهي ان القضايا التي تتكون منها القضية الفلسطينيه تحل في إطار الدولة ، وهذا يثير ملاحظة سادسة لها علاقة بقرارات الشرعية الدولية وخصوصا القرار 194 الخاص باللاجئين والعودة لهم، وهنا حتى تكون الأمور واضحه سيأخذ بالإعتبار إعلان الدولة الفلسطينية . الملاحظة السابعة التعامل بالمثل بين فلسطين كدولة وإسرائيل كدولة ، وبالتالي تغيير كل محددات العلاقات بينهما على أساس ان هناك دولة ، وللدولة حقوق معترف بها. وتتبقى ملاحظة تتعلق بطبيعة الدول هنا والدولة هناك. دولة فلسطينية ودولة يهودية. هذه بعضا من الملاحظات التي ينبغي ان تأخذ بالإعتبار من منظور التسوية الشاملة. والآن السؤال ما هي التداعيات السياسية لإعلان الدولة الفلسطينية.

المفاوضات

لعل أول التداعيات السياسية لإعلان الدولة الفلسطينية بصرف النظر عن الدور الوسيط الذي تقوم به اطراف أخرى ، ان المرجعية هنا هي الدولة ، وليست مرجعىة القوة التي تفرضها إسرائيل. والمرجعية هنا تقوم على إكتمال عناصر الدولة الشعب والإقليم والسيادة، وهذه العناصر لها تفاصيلها منها تكامل الإقليم، والممارسة السيادية الكاملة على الإقليم والشعب والعاصمة التي ترمز لسيادة الدولة وهنا القدس الشرقية. وتحمل دلالات سياسية أخرى مهمه الإعلان الرسمي عن إنهاء الاحتلال، والإفراج عن جميع الأسرى في السجون الإسرائيلية، وتكامل مبدأ المعاملة بالمثل بالنسبة للحقوق، وهو ما يعني تنازل إسرائيل عن كل الحقوق المتعلقة بها كدولة إحتلال. أماالقضايا الأخرى فليست صعبة ويمكن القبول كدولة حيادية، ومنزوعة السلاح أو بمعنى أضيق دولة غير مسلحة، ودولة ديموقراطية سلمية، وتعترف بالهواجس الأمنية التبادلية. على هذا الأساس يمكن أن تنجح المفاوضات، وفي السياق نفسه يعني توسيع الدور الذي تلعبه الأمم المتحدة في المفاوضات إلى جانب دور اي دولة او مجموعة من الدولة ، المهم هنا الدولة كمرجعية تفاوضية.

مستقبل الإتفاقات الموقعة

في أدبيات العلاقات الدولية ، وأدبيات الإتفاقات الدولية، توجد اكثر من مدرسة، الأولى المدرسة الواقعية او مدرسة القوة التي يذهب غلاتها ان الإتفاقات الدولية تحكمها القوة ، وانها قد لا تساوي المداد المكتوبة بها، وان دول القوة تفرض ما تريد، وهي مدرسة تقود للفوضى، لكنها محكومة بمبدأ توازن القوى، وبالمقابل تقابلها المدرسة الليبراليية والمدرسة السلامية التي قامت على أساسها الأمم المتحدة، والتي تنادي بإحترام الإتفاقات الموقعة بين الدول على أساس التبادلية في المصالح المشتركة ,على أساس أن عضوية أي دولة في الأمم المتحده الإلتزام بالسلام والأمن العالميين. والإتفاقات وبما تحمله من إلتزامات وحقوق وواجبات مرتبطة بشخصية من وقعها، وبما يملك من صلاحيات، وفي الحالة الفلسطينية تغيير الشخصية الدولية لفلسطين يعني مراجعة كاملة قد تصل لحد المطالبة بالإلغاء، فنحن أمام شخصية دولية جديده لها حقوق وعليها إلتزامات، مع مراعاة خصوصية العلاقة بين الطرفين لتداخل الكثير من العوامل، فلا يكفي ان نقوم ونعلن إلغاءا كاملا. لكنها المراجعة الكاملة بما يضمن حقوق الدولة الفلسطينية، وعلى إسرائيل ، من يريد السلام أن يدرك ذلك، ان الإلغاء والمراجعة الكاملة لا تعني الدخول في حالة حرب شاملة ، ورفض للواقع القائم، ورفض لبعض الإيجابيات إذا كانت هناك إيجابيات، وإدراك ان هذه الإتفاقات مرتبطة بفترة زمنية محددة 1999، وهو يعني عدم صلاحياتها فالفلسطينيون اخطأوا عندما اجلو مرحلة إعلان الدولة لما بعد هذا التاريخ، لأن المعطيات السياسية التي كانت قائمه وقتها كانت افضل.

الإعتراف

الأساس في الإعتراف أن يكون بين شخصيتين متماثلتين، وهنا المقصود الدولة كشخص وفاعل دولي رئيس. والإعتراف يأخذ شكلين ضمنيا وصريحا، والضمني كما نراه اليوم في التصريحات الإعلامية والسياسية كأن نقول رئيس دولة أخرى أو نذكر الدولة بإسمها. والصريح ببيان حكومي صريح بالإعتراف بالدولة الأخرى ،او بقيام وتبادل العلاقات الدبلوماسية بينهما على مستوى السفراء. وفي الحالة الفلسطينية الإسرائيلية الإعتراف صريح، من كلا الطرفين، المنظمة إعترفت بشكل صريح بإسرائيل، وإسرائيل إعترفت بشكل صريح بمنظمة التحرير، وحيث ان الشخصية الدولية باتت لفلسطين كدولة فعلى إسرائيل تصحيح موقفها بالإعلان بالدولة الفلسطينية وحكومتها ولو حدث ذلك أعتقد ان مسار السلام سيكون قريبا وممكنا. اليوم الفلسطينيون وبعد إعلان الدولة يطالبون بالإعتراف بهم كدولة وهذا مطلبا شرعيا ، وينبغي ان يوسع إقليميا ودوليا. اما موضوع تعليق الإعتراف او تجميده لا يعني عدم الإعتراف بالدولة المقابلة، ولكنه تجميد ومراجعة لكل العلاقات، وهو ورقة سياسية ضاغطة لها تأثيرها كورقة تفاوضية طالما ان الإحتلال لم ينتهي, وقيمة هذه الورقة وهذا الإعتراف لإسرائيل هو الأهم، فحتى مع إعتراف كل دول العالم بإسرائيل يبقى إعترافا ناقصا، لأن إكتمال إعتراف إسرائيل مرهون بالإعتراف الفلسطيني الذي قد يضفي الشرعية عليها، وهنا نقطة أخرى مهمة ان هذا الإعتراف سيمنح إسرائيل اكثر من 25 في المائة من المساحة التي اعترفت بها الأمم المتحده لإسرائيل دولة ، في إكتمال لإسرائيل كدولة بدون الإعتراف الفلسطيني ومن هنا أهمية تعليق الإعتراف .

وأخيرا تبقى هذه التداعيات رهن السلوك السياسي الفلسطيني وقوة الضغط الإقليمي والدولي، وهدفه الوصول لصيغة سلام شاملة، مرحلة سياسية من العلاقات تدار بوسائل الشرعية والسلمية والديموقراطية والحقوق.

drnagishurrab@gmai.com