مشروع تقاطع دوار جبع... ما بين الحلول المرورية الهندسية والخطط الاستيطانية

اعداد: م. حمزة الحلايبة

مهندس تخطيط مكاني، وباحث في الشأن الاستيطاني

رام الله- "القدس" دوت كوم- مع بداية عام 2016، شرعت سلطات الاحتلال الاسرائيلي بالعمل على مشروع هندسي ضخم في منطقة دوار جبع المفصلي بين القدس ورام الله ونابلس، حيث يعتبر هذا التقاطع هو الأهم في منطقة وسط الضفة الغربية ويقع عند التقاء شارع (60) الرئيسي مع شارع (437) الالتفافي. ويلاحظ من يتنقل في هذه المنطقة وجود آليات ضخمة وأعمال حفريات وبداية تشكل نفق، وتغير معالم هذا التقاطع، في ظل محدودية المعلومات المتوفرة عن هذا المشروع المهم تخطيطياً وهندسياً وسياسياً، حيث يلاحظ المسافرون عبر هذه المنطقة وجود لوحة كبيرة وضعت في المكان باللغة العبرية كتب عليها اسم المشروع مع وصف بسيط له وتاريخ انتهائه. فهل سيعمل هذا المشروع على حل المشكلة المرورية، أم انه جزء من خطة التوسع الاستيطاني الاسرائيلي؟

من الملاحظ في السنوات الأخيرة، أن هذا التقاطع (دوار جبع) يعاني من اكتظاظ مروري شديد خصوصاً في فترة الذروة الصباحية والمسائية، حيث إنها منطقة التقاء المركبات الفلسطينية المسافرة من (القدس وجنوب الضفة باتجاه رام الله وشمال الضفة وبالعكس)، مع مركبات المستوطنين المتنقلين بين (مستوطنات القدس وخصوصا بيسغات زيئيف ونيفي يعقوب باتجاه بيت ايل ومستوطنات الشمال). وما يزيد من الاكتظاظ المروري وجود مدخل مستوطنة (آدم-جيفع بنيامين) على الدوار مباشرة. ويعتبر شارع (437) الالتفافي الذي يقع في نهايته دوار جبع، شارعاً حيوياً ووحيدا لتنقل الفلسطينيين، حيث يربط بين شارع رقم (60) الرئيسي مع شارع رقم (1) الرئيسي، وهذه الشوارع الرئيسية الثلاثة تخضع للسيطرة الاسرائيلية سياسيا وهندسيا. ومن الجدير ذكره أن هذا الشارع (437) جاء بديلاً عن الشارع الأصلي الرابط بين بيت لحم والقدس ورام الله بعد تنفيذ خطة العزل الاسرائيلية حول القدس من خلال بناء الجدار الفاصل وتوسيع المستوطنات، مما ضاعف المسافة والوقت أمام تنقل الفلسطينيين وزاد من معاناتهم وتكاليف تنقلهم اليومية بين الجنوب والشمال.

خارطة (1): المصدر: Google Maps, 2017.

WhatsApp Image 2018-05-19 at 11.57.25 AM

وبالرجوع الى مشروع تقاطع جبع، فمن الواضح أنه مشروع سيعمل على ايجاد حلول مرورية جيدة لتسهيل حركة مرور المركبات سواء كانت فلسطينية ام اسرائيلية، لكن في المقابل يبدو أن خلفيات هذا المشروع جاءت لتحقيق مصالح أمنية واستيطانية في الجانب الاسرائيلي، ويبدو أن ضغوطا مورست من قبل مجالس المستوطنات في المنطقة لتحقيق ذلك، والدليل على ذلك ما أورده موقع (واللا العبري) من وجود ضغوط حقيقية من قبل قيادات المستوطنين لايجاد حل لهذا التقاطع نتيجة لحالة التوتر الأمني الشديد التي تشهدها المناطق الفلسطينية في الفترات الماضية. ودليل آخر أوردته صحيفة هآرتس هو قيام المجلس الاستيطاني في المنطقة قبل سنوات بتنفيذ (مخرج طوارئ) (انظر الخارطة)، وهو عبارة عن شارع بمسرب واحد يتفرع من الشارع الرئيسي قبل دخول دوار جبع وهو خاص بالمستوطنين تم تنفيذه لايجاد حل جزئي للاكتظاظ المروري، حيث يشكل مخرج للمستوطنين في حال الازدحام ويوصلهم الى مستوطنة "آدم"، وعلى مدخل هذا الشارع تم وضع بوابة حديدية تفتح وقت الازمات بوجود الأمن الاسرائيلي لتفتيش السيارات والتأكد أنهم اسرائيليون وليسوا عرباً، في خطوة وصفت "بالعنصرية". وتذكر صحيفة هآرتس أن هذا المقطع تم انشاؤه على أراض تمت مصادرتها لهذا الغرض وتعود ملكيتها لمواطنين فلسطينيين من قرية جبع وبلدة الرام. يضاف الى كل ذلك وجود (حاجز جبع) على بعد حوالي 500 متر من دوار جبع باتجاه الرام، والذي تستغله سلطات الاحتلال لاعاقة سير المركبات الفلسطينية والتخفيف من الضغط على الدوار في وقت الازمات، وبالتالي تسهيل حركة المستوطنين. وفي فترات التصعيد الميداني سابقا، تعمدت قوات الاحتلال بشكل شبه يومي اغلاق الحاجز وتفتيش السيارات للضغط على المواطنين والموظفين الفلسطينيين وتشديد الحصار على مدينة رام الله، وهي المدينة المركزية بعد القدس، بحكم وجود مقرات السلطة والوزارات الحكومية ومؤسسات صنع القرار ومؤسسات القطاع الخاص، وتجذب يوميا عشرات الآلاف من الموظفين، وقد هددت سلطات الاحتلال باغلاقه بشكل كامل لفترات معينة، مما دفع المواطنين في هذه الفترات لسلوك طرق ترابية التفافية للتنقل من وإلى رام الله في فترة الاغلاق، في مشهد يذكر بحال الطرق والتنقل في فترة ما بعد الانتفاضة الثانية.

خارطة (2): المصدر - وزارة الحكم المحلي، 2017.

WhatsApp Image 2018-05-19 at 11.57.12 AM

وفي الجانب الهندسي للمشروع، ومن خلال البحث والتدقيق يتبين أن المشروع تقوم بتنفيذه شركة (Aspect Engineers) وهي شركة هندسية اسرائيلية كبيرة لها العديد من المشاريع المختصة بالانشاءات والبنية التحتية والطرق، كما أن المشروع مصادق من قبل الحكومة الاسرائيلية ووزارة النقل وبتمويل من وزارة المالية الاسرائيلية.

ومن خلال البحث في موقع الشركة الاسرائيلية المنفذة للمشروع يتضح من خلال الخرائط المنشورة على موقعهم الالكتروني ان المشروع سيتضمن حفر نفق باتجاهين اسفل دوار جبع الحالي، مع توسيع للمسارب حول المسار الحالي على حساب اراضي الفلسطينيين في المنطقة. لكن أكثر ما يلفت الانتباه في المخطط الهندسي للمشروع هو انه يعطي الأولوية للحركة المرورية باتجاه (شارع 60 – بيت ايل – شمال الضفة)، وذلك من خلال النفق المخطط، أما من يريد التوجه الى رام الله من خلال (الرام – قلنديا)، وهي الطريق الوحيدة المتاحة أمام الفلسطينيين (في ظل اغلاق حاجز بيت ايل أمام معظم الفلسطينيين في كثير من الاحيان)، فعليه أن يسلك المسرب الأيمن المؤدي الى أعلى الدوار فوق النفق، ومنه يسارا باتجاه حاجز جبع والرام وقلنديا، أي أنه لن يتغير شيء على مسار الفلسطينيين المتوجهين الى رام الله بعد المشروع فيما يتضح من الخرائط.

خارطة (3) المصدر:Aspect Engineers, 2016

ويبدو من خلال اللوحة الموجودة في موقع المشروع أن العمل فيه كان من المخطط ان ينتهي في شهر أكتوبر 2017 الماضي، أي حوالي سنتين من بداية المشروع، لكن يبدو أن المشروع متأخر حاليا وقد دخل سنته الثالثة. كما ويقدر طول المشروع حسب ما يبدو على الارض وما يظهر من الخرائط بحوالي (900 متر).

ومن يتتبع الحركة المرورية على تقاطع جبع، يلاحظ أن الغالبية العظمى من المركبات الفلسطينية القادمة من القدس والجنوب تتوجه يسارا الى رام الله عبر حاجز جبع، أما المركبات الاسرائيلية فتتوجه جميعها يمينا باتجاه شمال الضفة ومنطقة بيت ايل مقر قيادة الجيش والادارة المدنية في الضفة الغربية، وبالتالي يكون المستوطنون قد حازوا على أولوية مرورية على حساب الفلسطينيين واستفادوا كثيراً من المشروع، بينما يتحتم على المركبات الفلسطينية عبور حاجز جبع الاسرائيلي من جديد.

ومما لا شك فيه أن هذا المشروع سيساعد في تخفيف الازدحام المروري على هذا التقاطع الحيوي، الا أنه في نفس الوقت سيعزز الوجود الاستيطاني حول القدس من خلال ايجاد البنية التحتية لربط المستوطنات الغير قانونية وتسهيل حركة المستوطنين اليومية من القدس واليها.

WhatsApp Image 2018-05-19 at 11.57.44 AM