السّفاهة في السّفارة!

رام الله-"القدس"دوت كوم- كتب إبراهيم ملحم- ليس ثمة ما هو أشد قبحًا، وأكثر سفاهةً من الجريمة التي اقترفها نتنياهو والعصابة الحاكمة في تل أبيب بحق أبنائنا في القطاع المحاصر، بالرصاص وبالجنود، والتي راح ضحيتها حتى الآن وفي يوم واحد ( يوم نقل السفاهة الامريكية إلى القدس) واحدٌ وستون كوكبًا، بينهم خمسة أطفال وأكثر من ثلاثة آلاف جريح ، إصابات العديد منهم خطيرة.. نقول ليس ثمة ما هو أقبح من كل ذلك سوى التغطية الأمريكية الحصريّة لتك الجرائم، وهي التغطية التي حالت حتى دون تشكيل لجنة تحقيق أممية في الجريمة المدوية التي كان فيها الجنود المدججون بالحقد وشهوة القتل يتفننون في اصطياد فرائسهم دون أدنى التفاتة للقوانين الدولية أو إحساس بمسؤولية إنسانية، وكأنهم وحوش كاسرة تلاحق طرائدها في غابة بلا أسوار.

فحالة الفرح والابتهاج والحبور التي ظلّلت احتفالات نقل السفارة من تل أبيب إلى القدس، يوم الرابع عشر من أيار، بينما كان العشرات من أبنائنا في القطاع يقضون برصاص القتل الهمجي من البر والجو في مجزرة مخجلة، إنما تُفصِح عن حجم الارتهان الامريكي لدواعش المستوطنين في إسرائيل بقيادة الثلاثي (جرينبلانت وكوشنر وفريدمان) ممثل المستوطنة الأمريكية الجديدة، وتسيء في الوقت ذاته إلى القيم الامريكية النبيلة في الحرية واحترام حقوق الانسان والتي باتت في عهد ترامب وفريقه المتصهين بلا أية قيمة بعد أن مُرّغت في وحل الشراكة الامريكية الكاملة للقتلة.

بمنتهى السفاهة، والصفاقة، كان الثلاثي الامريكي المتصهين(جرينبلانت وكوشنر وفريدمان) يمارسون فعل التغطية على الجريمة، وهم يُحمّلون الضحية مسؤولية موتها ويُعطلون أي إجراء أممي حتى ولو شكليا قد يتخذه المنتدى الأممي للتحقيق في الجريمة بعد أن بات هذا المنتدى بلا حول ولا قوة، تحت رحمة " الفيتو" الذي ترفعه ممثلة ترامب في الهيئة الدولية والمتحدثة بلسان حذائها(نايكي هايلي) وهي تبرر بوقاحة لا نظير لها فعل القتل المشين بحق الابرياء من الأطفال والشباب والشيوخ في القطاع .

أكثر من ذلك صفاقة ما جاء على لسان الناطقة باسم البيت الأبيض (هيذر ناورت) امس بتأكيدها لتصريحات هايلي المخجلة والتي قالت فيها إن الحكومة الاسرائيلية مارست ضبط النفس في التعامل مع الاحتجاجات السلمية ، وكأن لسان حالها يقول بأن الحكومة الاسرائيلية كان يمكن لها أن تقتل (٦٠٠) متظاهر ولكنها ضبطت نفسها وقتلت (٦٠) متظاهرا فقط!

مندوب بوليفيا ساشا سيرجو في الأمم المتحدة يستحق وسام القدس من الدرجة الأولى وهو يتلو بحزن جليل الأسماء الرباعية لضحايا التوحش الإسرائيلي الأمريكي ضد أبناء شعبنا في القطاع، مثلما نسجل لدولة الكويت الشقيقة ومندوبها في الأمم المتحدة منصور العتيبى أسمى معاني الشكر والامتنان والعرفان لكل ما قامت به من جهود لعقد هذه الجلسة، لتسقط آخر ما يستر عورات مدعي الإنسانية وهم يعرقلون محاولات المجلس تشكيل لجنة تحقيق أممية في الجريمة البشعة.

ولا بد من الإشادة بالأداء الرفيع لمندوب فلسطين في الأمم المتحدة، الأستاذ رياض منصور والفريق المساعد له في المنتدى الأممي وهو يكشف بصوت متهدّج اختلطت فيه العبَرات بجزالة العبارات حجم الفضيحة الامريكية الاسرائيلية، والدرك الذي انحدرتا إليه في عمليات القتل وتبريراته الوقحة.

بالمقابل وبصراحة موجعة فإننا ونحن نرصد هذا الفعل المشين للقتلة في تل أبيب ومن يشايعهم في واشنطن، فإننا نسجل استغرابنا من الأداء المتواضع للمنظمين ، الذين كان عليهم أن يتوقعوا هذا القدر العالي من التوحش الاسرائيلي، ويقوموا بخطوات وقائية لحماية أبنائنا المندفعين للمواجهة ، بإقامة طقوس العودة بما تحمله من رمزية عالية الأهمية في مكان بعيد عن بنادق الصيادين المتوحشين المتمترسين خلف السواتر والدشم المسلحة، للحفاظ على حياتهم وتجنب هذا العدد المرعب من الشهداء والجرحى خلال ساعات.

نقل السفارة، فعل سفاهة، تبدت أولى إماراته بالتصريحات التي غرّد بها ترامب منذ اليوم الأول لاعتلائه الملتبس للعرش في البيت الأبيض، وتحميل الجوقة الحاكمة في البيت الأبيض الضحايا مسؤولية موتهم، فعل صفاقة لا يمكن للشعب الأمريكي العظيم أن يقبل به أو أن يتسامح مع من يضحون بالمصلحة الأمريكية العليا لصالح الصهيونية العالمية التي تضرب في جميع الاتجاهات لصرف الأنظار عن التوحش الممارس ضد الشعب الفلسطيني الأعزل، ومثلما أطاح الزعيم المخجل للأمة الأمريكية بمساعديه بـ"تغريدة" فإنه سيأتي اليوم الذي سيسمع خبر الإطاحة به ومحو وصمة قيادته للشعب الأمريكي بـ"تغريدة".. وإن غدًا لناظره قريب!