"أم خالد"... ذكرى تفطر القلب

طولكرم- "القدس" دوت كوم - تراوح "أم خالد" مكانها في ذاكرة محمد إبراهيم سليمان الشيخ ياسين، أحد سكان مخيم طولكرم شرق المدينة حتى هذه الأيام، رغم مرور 70 عاما على تركها قسرا.

و"أم خالد"، قرية من قرى فلسطين الساحلية التي احتلتها ودمرتها إسرائيل عام 1948 وتتبع لطولكرم، وتبعد عنها 14 كيلومترا، وأقيمت على أنقاضها مدينة أسماها الإسرائيليون "نتانيا".

ومخيم طولكرم هو من ضمن أكبر مخيمات اللاجئين والذي أقامته وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين عام 1950، ويبلغ عدد سكانه حسب الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني العام الماضي، "9931" نسمة.

وتعود أصول اللاجئين في مخيم طولكرم حسب أقوال سكان فيه، لعدة بلدات ومدن بأراضي العام 48، منها: حيفا، ويافا، ومسكة، وصبارين، وسيدنا علي، وقاقون، وقيسارية، والشيخ مونّس، وواد الحوارث، وأم خالد.

يعود المسن ياسين وهو من مواليد عام 1930 بذاكرته الى تلك الايام قائلا: "بدأت الأخبار تأتي محملة بهجوم قوات الاحتلال الاسرائيلي ومحاصرتهم لعدد من القرى وقتل سكانها، خرجنا بأيدٍ فارغة، كنا نظن أن الغياب لأيام معدودة فقط".

ويعتبر ياسين ما حل بالبلاد عام 48 بأنه كارثة، ويقول: "اليهود دمروا البلاد وقسموها، وقتلوا وذبحوا، وطردوا من بقي على قيد الحياة".

وأثناء مروره في حديثه على لحظات الخروج من قريته، تنهد قائلا: "يا ريتنا متنا قبل ما تحل هذه الكارثة".

ويرى ياسين أن وعد بلفور المشؤوم الذي أعلن عام 1917، هو السبب الرئيسي في حدوث نكبة فلسطين، عندما أعطى الحق لليهود بتملك أرض فلسطين.

ويكمل ياسين: "خرجت عائلتي من أم خالد إلى نزلة عيسى شمالي طولكرم، أما أنا وأولاد عمي بقينا في قريتنا شهرين، ظنا منا بأن الذين خرجوا سيرجعون، لكن لم يحصل ذلك، الأيام أصبحت 70 عاما، اضطررنا بعدها اللحاق بأهلنا في نزلة عيسى لخمس سنوات ثم المخيم".

إلا أن ياسين وخلال رحلة التنقل غادر إلى الشام وعمل بها مدة ثلاث سنوات، ثم انتقل إلى العراق فالكويت ليعود إلى فلسطين بعد مرور 25 عاما، ويحط رحاله في مخيم طولكرم.

ويعود ياسين بذاكرته إلى طبيعة الحياة التي كانت تتميز بها مدن وقرى فلسطين قبل احتلالها وتدميرها، خاصة الواقعة على الساحل الفلسطيني منها: أم خالد، ويافا، وحيفا، وقراهما، دير مونس، وإجليل، والجماسين، والمسعودية، والعباسية، حيث الزراعة هي عماد الاقتصاد فيها، وتقوم على مختلف الأصناف والأنواع كالبطيخ والشمام والخيار والفقوس والبامية والقمح والشعير والذرة البيضاء التي تشبه حبات العدس.

ويقول: "عنا الطوابين أيضا، وكل شيء كان متوفرا في البيت من المونة بما فيها اللحوم"، مبينا كيف كانت النساء يحفظن اللحوم بعد طهيها، في جرات الفخار التي كانت بمثابة الثلاجة اليوم.

كان سكان "أم خالد" من بين ما يقدر عددهم 950 نسمة، يمتلكون آلاف الدونمات من منطقة "بصة الفالق"، وهي أرض خصبة ذات ينابيع مياه غزيرة صافية تقع على ساحل البحر المتوسط، كانت تتبع لطولكرم، وتبعد حوالي 4 كم عن أم خالد، وتبلغ مساحتها 14 ألف دونم حسب رواية ياسين.

ويقول إن عائلته كانت تملك 40 دونما في البصة، على عين زريقية عند النبعة تماما.

وفور عودته من الكويت اصطحب ياسين عائلته في رحلة إلى اراضي العام 1948، وتحديدا منطقة الساحل الفلسطيني، زاروا فيها رأس الناقورة ومدن الساحل الأخرى، وصلّوا الظهر في جامع الجزار في عكا، وزاروا نهاريا، حتى اختتمت الرحلة بزيارة نتانيا المقامة على أنقاض أم خالد.

ويستحضر ياسين ما تبقى من ذاكرته قائلا: "كانت رحلة تفطر القلب، خاصة عندما زرنا مكان بيتنا، الذي تحول إلى بنايات ضخمة وعالية، بعد أن دمر الاحتلال المباني القديمة، إنه لأمر محزن أن يصبح هذا المكان ذكرى لأيام جميلة عشناها لا تعوض".

ويقول: "لو خيروني بين أي بقعة في الارض وبين العودة إلى مسقط رأسي، سأختار البصة، حتى لو فقدت كل شيء أملكه اليوم.. عندي أمل بالله كبير بأن العودة حتمية لا محال".