ماذا بعد الإنسحاب الأميركي من الاتفاق النووي؟

بقلم: الدكتور ناجي صادق شراب

السؤال المطروح على الطاولات السياسية ما هو مصير الإتفاق النووي مع إيران بعد إنسحاب الولايات المتحدة؟ وما خيارات إيران ؟ وخيارات الدول التي ما زالت تتمسك بالإتفاق وهي الدول الرئيسة كبريطانيا وفرنسا وألمانيا وروسيا.؟ قبل الإجابة على هذه التساؤلات لا بد من التأكيد على أن الولايات المتحدة تشكل الدولة المحورية أو الأساس في الاتفاق، بعبارة أخرى ان إنسحاب الولايات المتحدة يحمل في طياته إلغاء الاتفاق والبحث عن صيغة جديدة، ومن ناحية أخرى لم يقتصر القرار على الانسحاب، بل بقرار فرض عقوبات مشددة، ولهذه العقوبات تداعياتها على الدول الأخرى ، وشركاتها .

وفي هذا السياق لا يمكن النظر إلى إعلان الانسحاب على أنه مجرد قرار أحادي ،أو أنه قد يقتصر على العلاقات الثنائية بين الدولتين. ومن هنا خطورة القرار. ومن ناحية ثالثة أي قرارات مستقبلية قد تقوم بها الولايات المتحدة إزاء إيران وخصوصا في الجانب العسكري لن تكون الدول الأخرى بمنأى عنها. وأخيرا لا يمكن للدول الموقعة ان تستمر في الحفاظ على الاتفاق رغم معارضتها لقرار الانسحاب، وذهاب روسيا إلى انه يشكل تهديدا للسلام العالمي ، وقد يدخل العلاقات بين الأطراف المعنيه على درجة عالية من المواجهة العسكرية.

وهذه التداعيات والتخوفات تفرض على كل طرف أن يفكر في الخيارات التي يمكن أن يلجأ إليها في التعامل مع الاتفاق، وعلى مستوى الولايات المتحدة حسمت خيارها الأول بالإنسحاب، والثاني بفرض العقوبات بهدف خلق المتاعب للنظام القائم، ذهابا للخيار الثالث وهو العمل على تغيير النظام بإضعافه وتقوية المعارضة. إلا ان الخيار الثالث إحتمالاته ضعيفة وبعيدة. ويبقى الخيار العسكري المفتوح أحد أهم الخيارات الأمريكية، وهنا يمكن أن تعطى الضوء الأخضر لإسرائيل للعمل على ضرب التواجد العسكري الإيراني في سوريا ، ومن غير المستبعد ضرب بعض المفاعل النووية في قلب إيران، ويبقى الخيار الأخير وهو العودة لإتفاق جديد يتجاوز وقف كل القدرات النووية وعمليات التخصيب، ليشمل حظر الأسلحة الصاروخية البالستية.

تتلخص الإستراتيجيات الأميركية في فرض إتفاق أفضل بشروط تفضيلية أو إتفاق يشمل كافة القدرات العسكرية أي إتفاق جديد أكثر مثالية من منظور أميركي أي أميركا تفرض شروطه، أو العمل على تغيير النظام، أو الخيار العسكري بالوكالة أو العمل على تبنى إستراتيجية الإنكفاء الذاتي وتفعيل دور الدول المتحالفة معها بتزويدها بمزيد من السلاح ، والعمل بالدفع على صيغة أمنية إقليمية تكون إسرائيل طرفا فيها ضد إيران.

لكن هذه الخيارات تواجهها العديد من الصعاب، أبرزها أن إيران لديها القدرة على بناء تحالفات جديدة، والقدرة على الصمود والحفاظ على نظامها بالقوة العسكرية، وتعويض العقوبات بشبكة علاقاتها المتعددة، وهذه العقوبات هي التي يمكن أن تحدد خيارات إيران التي أرى إستبعاد الخيار العسكري والمواجهة العسكرية مع الولايات المتحدة، لأن من شأن هذا الخيار أن يفقدها الكثير من قدراتها ويعرض نظامها للإنهيار، والمفاضلة هنا بالنسبة لإيران الحفاظ على إستمرار نظامها.

ومن الخيارات التي قد تلجأ لها إستعدادها للتفاوض على إتفاق جديد مع المساومة على مناطق النفوذ التي تحتفظ بها في المنطقه كالعراق وسوريا واليمن ، وهذا السيناريو الأكثر إحتمالا. اما خيار التهديد بتوسيع أنشطتها النووية وإستئنافها قد يعود عليها بمزيد من العقوبات، والدفع بالدول الأخرى للإنسحاب من الاتفاق، ولذلك يبقى خيار التفاوض من جديد على تعديل بعض بنود الاتفاق القائم الأكثر عقلانية وواقعية لجميع الأطراف.

وأعتقد هذا هو الخيار الذي يمكن أن تسعى له بقية الدول الأخرى وخصوصا الدول الأوروبية التي عارضت القرار الأميركي واعتبرته متسرعا، ودوافعها تختلف عن الدوافع الأميركية وتربطها علاقات إقتصادية وتجارية مهمة مع إيران، وأكثر إلتزاما بإستقرار المنطقة وعدم الدخول في مواجهات عسكرية.

ولهذا يمكن أن تلعب دورا مؤثرا في الضغط في إتجاه تعديل شروط الاتفاق والوصول لحلول وسط ترضي الجانب الأميركي.

وعموما نحن أمام مرحلة جديدة في العلاقات الإقليمية والدولية، وسيترتب على الانسحاب الأميركي بروز خارطة سياسية جديدة تقوم على مناطق النفوذ التي تراعى فيها مصالح الدول الإقليمية كإيران، فإيران يتم التعامل معها أو هي تقدم نفسها على أنها قد أصبحت فعليا دولة نوويه، ولذلك ستكون عملية التفاوض الجديدة أكثر صعوبة ، مع بروز تحالفات جديده تربط إيران يغيرها من الدول، ويبقى أن لهذا القرار تداعيات خطيرة على مستقبل المنطقة العربية.وهذا ما سأتناوله في مقالة أخرى.

drnagishurrab@gmail.com