هل يفعلها نتنياهو؟!

بقلم: الدكتور صبحي عسيلة

منذ منتصف العام الماضي ومحاولات نتنياهو لم تتوقف ليمرر تعديلاً قانونياً يسمح له بإعلان الحرب دونما الرجوع إلى كامل أعضاء الحكومة، وذلك في إطار سياسته للحصول على أكبر عدد ممكن من الصلاحيات تجعل منه الرجل الأقوى في إسرائيل. السبب المعلن لمحاولات نتنياهو هو الآثار السلبية التي يؤدي إليها القانون المعمول به حاليا لاتخاذ قرار الحرب داخل إسرائيل والذي أدى كما يقول نتنياهو أولا إلى منعه من المضي في إعلان الحرب ضد إيران أو على الأقل توجيه ضربة عسكرية لها في عام 2010، وثانيا إلى تسريب بعض المعلومات بشأن حربه ضد قطاع غزة في عام 2014 من داخل الحكومة نفسها.

إذن الهدف من محاولات نتنياهو تمرير ما يطلق عليه قانون تصحيح أساس الحكومة هو تحقيق المزيد من السرية والسرعة في اتخاذ القرار. ونتيجة لحالة الأزمة التي تمر بها الساحة السياسية في إسرائيل وتحكم اليمين بمقاليدها تمكن نتنياهو مؤخرا من تحقيق هدفه رغم التشكيك في حلفائه في الحكومة وإهانتهم بتقديمهم للرأي العام على أنهم غير أمناء على مصالح الدولة. إذ أقر الكنيست نهاية الأسبوع الماضي بأغلبية 62 صوتا مقابل 41 صوتا القانون الذي يشرعن دور الحكومة المصغرة في اتخاذ قرار الحرب بل ويعطي نتنياهو في حالات الضرورة القصوى إمكانية اتخاذ قرار الحرب بعد الاتفاق مع وزير الدفاع فقط. وفي تبريرها لاعتماد ذلك القانون قالت وزيرة العدل التعديل إنه «في الظرف الأمني الراهن يجب جعل عمل مجلس الوزراء والحكومة الأمنية المصغرة أكثر فعالية». ومع ترافق إقرار القانون مع تصريحات نتنياهو بشأن البرنامج النووي الإيراني والعملية الاستخباراتية التي قال إن إسرائيل حصلت بموجبها على أسرار مهمة بشأن ذلك البرنامج وتصاعد وتيرة الاشتباكات المتبادلة بين إسرائيل وإيران في الساحة السورية، استنتج الكثيرون أن إسرائيل بدأت في قرع طبول الحرب في المنطقة، وباتوا يؤكدون أن الحرب واقعة بين الطرفين لا محالة ولا يبقى سوى الاجتهاد في تحديد موعد اندلاعها، وكأن العقبة الوحيدة التي كانت تحول دون اندلاع الحرب مع إيران هي عدم امتلاك نتنياهو قرار إعلان الحرب!

ومما لا شك فيه فإن الشرق الأوسط يعاني درجة عالية من عدم الاستقرار جعلته دائما على «صفيح ساخن» وشجعت الكثيرين على توقع اندلاع حرب ما في أي لحظة كلما لاحت بوادر أزمة بين أي من أطرافه الفاعلة سواء كانوا دولا أو جماعات من دون الدول. كان آخر تلك التوقعات قبل كان نهاية العام الماضي على خلفية التوتر الذي أحدثته استقالة رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري نتيجة التدخلات الإيرانية في الشأن اللبناني، إذ أكد كثيرون أن الحرب واقعة بين إسرائيل وذراع إيران في المنطقة حزب الله. وساعتها كتبت في هذا المكان في 20 تشرين الثاني 2017 مقالا بعنوان «ولماذا تضرب إسرائيل حزب الله الآن» توقعت فيه ألا تندلع حربا جديدة بين إسرائيل والحزب رغم المصلحة الإسرائيلية المؤكدة لضرب أو تقليم أظافر حزب الله في المنطقة. وهو ما حدث بالفعل، وما انطبق على الوضع مع حزب الله ينطبق بالضرورة إزاء الحرب مع إيران. ذلك أن إسرائيل كما أعلنت على لسان كل مسئوليها أنها غير راغبة وغير مستعدة للحرب، أي حرب. ففي الاحتفال بمرور 70 عاما على قيام إسرائيل، قال وزير الدفاع الإسرائيلي ليبرمان إن الجبهة الداخلية في الشمال ليست مستعدة بشكل كاف للحرب، وعن إيران قال إن هدف إسرائيل هو منع وجود إيران نووية. وهو نفس الموقف الذي عبر عنه وزير الدفاع الأسبق عمير بيرتس بقوله «إن الجبهة الشمالية لإسرائيل غير مستعدة لتصعيد مع إيران - في حالة حدوث ذلك الأمر - مضيفًا أن مشكلة إسرائيل الرئيسية هي محاولة إيران إثارة تهديدات على الأراضي السورية».

بمعنى آخر فإن المصلحة الإسرائيلية المؤكدة هي منع إيران من امتلاك السلاح النووي على أن يكون الخيار العسكري هو الخيار الأخير. ومن ثم فغاية ما يسعى له نتنياهو حاليا هو ممارسة أقصى قدر ممكن من الضغوط على إيران ومحاصرتها ودفع الولايات المتحدة والدول الأوروبية لمشاركته تلك السياسة على أمل مزيد من التقييد على أنشطة إيران وتعديل الاتفاق النووي أو إضافة ملحق له يضع مزيدا من القيود على إيران وبرنامجها. وفي هذا السياق يمكن فهم إقدام نتنياهو على عرض البيانات والوثائق المتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني قبل أسبوعين من قرار الرئيس الأمريكي بشأن الاتفاق النووي مع إيران. إضافة إلى ذلك فإن إسرائيل تعلم جيدا أن الدخول في حرب مباشرة مع إيران يعني بالضرورة فتحا لجبهات أخرى تحركها حماس وحزب الله بما سيضعف من الموقف الإسرائيلي أو على الأقل يرفع كثيرا من كلفة الحرب.

إذن على المستوى الخارجي لا علاقة لحصول نتنياهو على حق إعلان الحرب دون الرجوع للحكومة بإمكانية اندلاع حرب مع إيران أو غيرها.

وعلى المستوى الداخلي فإن القانون الأخير الذي حصل نتنياهو بمقتضاه على امتيازات جديدة بشأن إعلان الحرب هو تأكيد تحكم وسيطرة اليمين في توجيه السياسة الإسرائيلية، كما أنه يعزز موقف نتنياهو في مواجهة خصومه السياسيين. وفى كل الأحوال فإنه يمكن توقع أن يلجأ نتنياهو إلى التهديد باستخدام ذلك الحق كلما تدنت شعبيته أو تم تصعيد ملف الفساد المتهم فيه.

فخوف الإسرائيليين دائما ما يدفعهم باتجاه الاصطفاف خلف اليمين، لاسيما وأن نتنياهو أن نجح خلال السنوات الماضية في أن يفرض التهديد الإيراني والخوف منه على اهتمامات الرأي العام الإسرائيلي. وأقصى ما يمكن أن يصل إليه نتنياهو في استخدام القانون الجديد هو الاستمرار في المناوشات العسكرية مع إيران على الأرض السورية ومحاولة تكبيد إيران وحزب الله أكبر خسائر ممكنة، أما قرار الحرب المباشرة مع إيران فيدرك نتنياهو جيدا أنه لم يمكن له ولا لحكومته اتخاذه دونما الرجوع إلى الولايات المتحدة ودونما موافقتها عليه. والواضح حتى الآن أن الولايات المتحدة غير متحمسة لتسوية الملف النووي الإيراني بتلك الطريقة.

...عن «الأهرام» المصرية