المستهدف ليس فقط البنك العربي

بقلم: برهوم جرايسي

طوت المحكمة العليا الأميركية في الأيام الأخيرة، قضية ملاحقة 6 آلاف إسرائيلي، للبنك العربي، بزعم أنه "ممول" لما تسميه إسرائيل "إرهابا"، من باب أن القضاء الأميركي ليس مخولا للبحث في دعاوى أجانب، في قضايا لم تقع في الأراضي الأميركية.

وتؤكد "الحماسة" الإسرائيلية والصهيونية، التي شهدناها في السنوات الأخيرة، لملاحقة البنك العربي، أن المستهدف الأساس ليس فقط البنك العربي، وإنما الاقتصاد العربي أينما حل. وهذا في الوقت الذي ترتكب فيه البنوك الإسرائيلية جنايات مالية خطيرة، في الولايات المتحدة وغيرها.

ونذكر، أنه حينما اختلقت الأذرع الإسرائيلية والمجموعات الصهيونية، الذرائع لملاحقة البنك العربي أمام القضاء الأميركي، امتلأت وسائل الإعلام الإسرائيلية بالتقارير، والعناوين التي تصدرت الصحف. أما قرار المحكمة العليا الأميركية، فقد نشر في عدد هامشي جدا في وسائل الإعلام، وحتى لم يظهر في الصحف الورقية، ولربما باستثناء صحيفة اقتصادية واحدة.

وكون أن 6 آلاف إسرائيلي يلتقون في هذا الملف، فهذا يدل على وجود جسم كبير ومنظم، عمل على تجميعهم، وواضح أن مؤسسات الحركة الصهيونية، هي العنصر الأساس والموجّه في هذه القضية، التي تعكس العقلية العنصرية الاستعلائية، عقلية المجرم الذي يسعى لتجريم الضحية. ولكن ليس هذا وحده، بل إن الهدف الأساس هو توجيه ضربة اقتصادية للبنك العربي، في إطار السعي الصهيوني على مر السنين، لضرب الاقتصاد العربي في مستوياته كافة.

إذ ترى الصهيونية أن ازدهار الاقتصاد العربي، وتطور الدول العربية، بمثابة تهديد لها. فعلى سبيل المثال، تسعى إسرائيل في هذه الأيام، لإحباط مشاريع نووية للخدمات المدنية، وخاصة إنتاج الطاقة، في عدد من الدول العربية، وهذا ينشر تباعا في وسائل الإعلام الإسرائيلية. كما أن قضية الضرب الاقتصادي، هي عنصر أساس من العدوان الإسرائيلي الصهيوني على الشعب الفلسطيني، في أنحاء تواجده كافة. وبشكل خاص في فلسطين التاريخية.

ونحن نشهد سلسلة سياسات، لضرب موارد السلطة الفلسطينية، رغم أنها قائمة تحت الاحتلال وقيوده، وتسعى حكومة الاحتلال بشكل دائم، إلى سلب أموال الضرائب الفلسطينية، التي تجبيها السلطات الإسرائيلية في المعابر الدولية، على البضائع الواردة إلى مناطق السلطة الفلسطينية. ويعالج الكنيست حاليا، مشروع قانون بات في مرحلة تشريع متقدمة، يقضي بسلب مئات ملايين الدولارات من هذه الأموال سنويا.

كما أن معركة الصهيونية ضد وكالة غوث اللاجئين الأونروا، بهدف حجب ميزانيات الدعم العالمية عنها، وتغيير تعريف اللاجئ، تهدف أيضا إلى ضرب حتى الفتات الذي يصل إلى الشرائح الأشد فقرا من الشعب الفلسطيني، في مخيمات اللجوء، في الوطن وخارجه.

وفي الوقت الذي يلاحق فيه الصهاينة البنك العربي، أمام القضاء الأميركي، كانت البنوك الإسرائيلية ترتكب جنايات تبييض أموال، وتساعد أثرياء أميركيين وأوروبيين يهودا، على التهرب الضريبي؛ إذ استندت البنوك الإسرائيلية إلى قانون إسرائيلي أقره الكنيست في العام 2003، وجرى تمديده حتى العام الحالي، يتيح لليهود الهجرة إلى إسرائيل، مقابل إعفاء ضريبي لعشر سنوات، على كل نشاطهم الخارجي، إضافة إلى أنظمة بنكية أخرى، جعلت أميركيين وأوروبيين يهودا، يطلبون الجنسية الإسرائيلية، لكسب هذا الإعفاء، وبشكل يجعلهم يتهربون من دفع الضرائب في أوطانهم، وأولها الولايات المتحدة. ومن بينهم من تنازل عن "الجنسية الإسرائيلية" فور أن انتهت فترة الإعفاء الضريبي.

ولاحقت سلطات الضريبة الأميركية ثلاثة بنوك إسرائيلية كبرى. ففي العام 2016، جرى التوصل إلى اتفاق، مع بنك "ليئومي" الإسرائيلي، الثاني من حيث حجمه، لدفع غرامة بقيمة 400 مليون دولار. وكان من المتوقع أن تكون الغرامة أضخم، لو دخلت القضية إلى المحاكم الأميركية. في حين أن البنك الإسرائيلي الأكبر "هبوعليم"، ما يزال يفاوض السلطات الأميركية حول حجم الغرامة التي سيتكبدها.

وفي تقريره المالي الأخير عن العام 2017، تبين أن "هبوعليم" أفرز حتى الآن 375 مليون دولار، كاحتياط لدفع الغرامة، ومن المتوقع أن تكون الغرامة أكبر. كما أن بنكا صغيرا ثالثا متورطاً في القضية ذاتها، ومن المتوقع أن يتكبد هو أيضا غرامة بعشرات ملايين الدولارات.

barhoum.jaraisi@alghad.jo

...عن "الغد" الأردنية