الناس في قرية دير استيا يستيقظون... لا يجدون أبناءهم في البيت

بقلم: عيسى قراقع

رئيس هيئة شؤون الأسرى والمحررين

الى الغرب من مدينة سلفيت وعلى ارتفاع 440 مترا عن سطح البحر تقع بلدة دير استيا فوق جبل الذيب متألقة بجمالها ومعالمها وتاريخها واشجارها وهوائها وكأنها معلقة في الهواء والاقرب الى السماء.

وصلنا دير استيا لنجد ان الناس مذهولين، فقد استيقظوا فجرا فلم يجدوا ابناءهم في البيت، حملات الاعتقال في هذه القرية تجري بشكل جماعي، كافة ابناء البيت جرى اعتقالهم من قبل جنود الاحتلال، بيوت فارغة الا من الوالدين، بيوت مدمرة ومحطمة على يد الجنود الذين يتسللون بقواتهم المسلحة بعد منتصف الليل.

الاحتلال ينتقم من سكان دير استيا، يستفزه جمال القرية وصخورها ولوزها وعنبها وزيتونها، يستفزه استمرار الينابيع الصافية تنفجر من تحت حجارتها وتلالها رغم ملاحقته المستمرة للماء وتجريف عيونها وتدمير البرك والآبار.

المستعمرات الاسرائيلية المحيطة بالقرية والقائمة على اراضيها المصادرة والمنهوبة، كمستوطنات "كروفي شمرون" و"معالي شمرون: و"نوفين" و"ياكير" تراقب كل دبيب نملة في القرية ، كل شجرة ووردة، تترصد حتى كمية الهواء القادمة من البحر وتدخل وادي قانا ليحرك مزروعات الحمضيات والمحاصيل وتجلب الطيور الجميلة من كل واد وجبل.

المستعمرات الاسرائيلية تقوم بتلويث مياه العيون والقاء مياه مجاريها الى واد قانا وحرمان المزارعين من سقاية محصولاتهم ومواشيهم، واكثر من ذلك تزحف ببشاعتها لتصادر الارض وجمال الطبيعة وتحرم ذلك الشاعر الذي قال:

الا ليت شعري هل ابيتن ليلة

في واد قانا والمياه سواقي

عندما دخلنا منازل عائلات الاسرى في قرية ديراستيا، لم نجد احدا، فقد اعتقلت سلطات الاحتلال كافة الشبان في ليلة قاسية معتمة: يوسف القيسي ومنتصر القيسي واحمد القيسي ، وجدنا الحسرة والحزن على وجوه الاب والام، الفراغ وبقايا صراخ ودهشة على عتبة البيت، اسرة ممزقة، فرشات على الارض ، خزائن مدمرة، ملابس مبعثرة وصور ممزقة، وآثار بساطير الجنود واضحة على اكتاف الفجر.

في بيت القيسي الام معاقة ومكسورة القدم وبحاجة الى عملية جراحية، الاب مبتور القدم يجلس على كرسي متحرك، البيت صغير يشبه الزنزانة ، رائحة فقر مدقع، وفي الزاوية يجلس احد اولادهم المعاقين الباقي في العائلة بعد ان اعتقلوا جميع اشقائه، ولأن البيت يقع على مرتفع في البلدة القديمة الاثرية في دير استيا كانت الشمس تلبس كوفيتها وتشير الى عائلة القيسي بلونها الحزين وفي مفارقة جارحة.

في بيت عبيد حكاية لا تروى الا بعد اجتياز حاجز الغضب، الشبان الثلاثة في البيت اعتقلوا وغابوا وافترقوا عن المكان ، شرف عبيد ومصطفى عبيد واشوس عبيد، وبدأ الاب يروي انه ايضا اعتقل 8 مرات لمدة 4 سنوات ، لم يبق سوى رائحة الاولاد، كتبهم ، قمصانهم، ذكرياتهم، اصواتهم، وهي الدليل على روح دير استيا التي تلتهم الحياة برغم الخوف، ولا تسمع من الأم سوى كلمة الحمد لله، مهيأة نفسها لترتيب مواعيدها لزيارة اولادها في باص الصليب الاحمر.

الناس في قرية دير استيا يستيقظون ... لا يجدون ابناءهم في البيت، بقايا رصاص وجدران محطمة ، شبابيك مخلوعة وابواب تم تفجيرها، هذا ما وجدناه في بيت عائلة حكيم، حيث اعتقل خليل حكيم وثائر حكيم تاركا ولدا مريضا عمره عام مثقوب القلب وبحاجة الى علاج، الولد كان يبكي، الاجواء ساخنة وصامتة، قبل قليل كان هنا عرسا وزفة، الان لا تعرف ان كان عرسا الا من آثار مدمرة والتباس الفرح بالالم.

ما يجري في قرية صغيرة وادعة وحالمة كدير استيا يجري في كل ارجاء الوطن، حملات الاعتقال الجماعية تطال الجميع، جيش الاحتلال دخل كل بيوتنا وصادر نومنا ونعاسنا ، انه جيش همجي بربري تقوده سلطة طاغية مستفحلة في اسرائيل، جيش تحول الى جلادين وسجانين وقتلة، يستبيح حياتنا ويزج اولادنا خلف القضبان.

الناس في دير استيا يستيقظون ، لا يجدون اولادهم في البيت، لكني قرأت على حائط عائلة القيسي عبارة مستمدة من اقوال محمود درويش يبدو ان الجنود لم يفهموها تقول:

فمن يحيا على حرمان غيره من الضوء

يغرق نفسه في عتمة ظله، لن تتحرر

مني ايها المحتل الا اذا غادرت واد قانا

ورحلت عن ضحكة النبع وأهزوجة الشجر