أميركا وإيران ومصيدة ثيوسيديدس!

بقلم: الدكتور ناجي صادق شراب

استاذ علوم سياسية-غزة

ثيوسيديدس هو أحد أهم رواد نظرية القوة أو الواقعية، توصل بقراءته للحروب بين أسبارطة وأثينا قبل 2500 عام قبل الميلاد إلى قانون حتمية الحرب، وإلى أن منطق العلاقات الدولية لم يتغير وثابت، ويقوم على منطق العداوة ومعضلة الأمن، وهما المحركان للسلوك السياسي للدول التي تعطي أولوية لمصالحها الأمنية.

لكن ما توصل إليه ثيوسيديدس لا يعني ان خيار الحرب هو الخيار الوحيد كما يقول هوبز ان الجو العاصف لا يعني ان تسقط الأمطار. هذه العلاقة هي التي تحكم أمريكا وإيران. فأساس العلاقة هو الكراهية، والمعضلة الأمنية. فالولايات المتحده كونها القوة الكونية التي ما زالت تتحكم في القرار الدولي، ولها مصالحها الإستراتيجية الثابتة في المنطقة، وإيران من ناحيتها القوة الإقليمية الصاعدة والمحكومة بالبعد القومي الإميراطوري، لم تعد هي إيران قبل ثلاثة عقود.

اليوم تسعى ايران الى إمتلاك القدرات النووية، وتسعى الى ان تمد مناطق نفوذها شرقا وغربا، وخصوصا في منطقة الخليج والعراق واليمن، وسوريا وصولا لساحل البحر المتوسط، وهذا التمدد الإقليمي له تداعيات خطيرة ليس فقط على المصالح الأمنية لدول المنطقة، بل على نظرية المجال الحيوي للولايات المتحدة وإسرائيل. وهو ما يعني أولا تراجع المجال الحيوي لإسرائيل وإختزاله بداخلها، وتقليص مناطق المجال الحيوي للولايات المتحدة، وثانيا تقلص حجم المصالح الإستراتيجية للولايات المتحدة، وتقاسمها مع إيران.

ولهذا التمدد تداعيات مباشرة على مفهوم الدور الكوني والقيادي العالمي للولايات المتحدة، بما يعني تقليص هذا الدور وتقاسمه مع غيرها من الدول مثل إيران وروسيا، وهذا يشكل تهديدا مباشرا للمصالح الأمنية الأمريكية، ولا تقتصر تداعيات هذا التمدد الإيراني على الولايات المتحدة بل أيضاً على أمن دول المنطقة المحورية مثل السعودية ومصر، والإمارات، وتغيير خارطة التحالفات الإقليمية والدولية، وهذا ما نراه الآن في محاولة إيران توسيع خارطة تحالفاتها الإقليمية والدولية مع روسيا، وتفعيل دور الفواعل من غير ذات الدول مثل حزب الله.

ومن ثم يشكل هذا تهديدا أمنيا لخارطة التحالفات التي تربط الولايات المتحدة بدول المنطقة. هذه العلاقة تحكمها حالة من التوتر التاريخي والمواجهة منذ الثورة الإيرانية و سعي إيران لتصدير ثورتها إلى الخارج.

إشكالية العلاقة بين الدولتين انهما تتزاحمان نفس المناطق الإستراتيجية، وخصوصا منطقة الخليج العربي التي كانت وما زالت احد أهم المناطق الإستراتيجية المهمة والحيوية للولايات المتحدة. ومما فاقم من توتر العلاقات محاولة إيران تضخيم قوتها العسكرية وسعيها لإمتلاك القدرات النووية، والقدرات الصاروخية عابرة القارات، وهذا التوجه يشكل مصدرا آخر للتهديد الأمريكي في المنطقة.

وهذا ما يفسر لنا موقف الإدارة الأمريكية الجديدة من الاتفاق النووي مع إيران، ومسألة فرض العقوبات عليها، وما يفسر لنا اعلان إسرائيل الصريح بضرب المفاعل النووية في دير الزور، وهي رسالة قوية لإيران ان إسرائيل قد لا تتوانى بضوء أخضر امريكي من تكرار نفس الموقف.

لكن الإشكالية الجديدة ان إيران لم تعد إيران ما قبل ثلاثين عاما، فلا شك ان إيران نجحت في تطوير قدراتها العسكرية ، ونجحت في تثبيت وجودها في اكثر المناطق حساسية من الناحية الأمنية. هذا الوضع سيضع الإدارة الأمريكية أمام خيارات صعبة ومتعددة. لكن ما يحكم كل الخيارات الأمريكية أنها لن تسمح لإيران بإمتلاك القدرات النووية، ولن تسمح لها بالتمدد الإقليمي، وهذا المحدد قد يقف وراء الخيارات التي قد تلجأ لها الولايات المتحدة.

ولعل إبرز هذه الخيارات وأكثرها واقعية وقبولا المطالبة بإعادة النظر في الاتفاق النووي المعقود بين إيران ومجموعة الست والمطالبة بمزيد من القيود، واذا لم يتحقق ذلك، قد تعلن إلولايات المتحدة إنسحابها من الاتفاق والذهاب لفرض مزيد من العقوبات.

ويبقى خيار الحرب قائما سواء بالوكالة بالسماح لإسرائيل بتوجيه ضربات للمفاعلات النووية إلإيرانية، أو من خلال المواجهة المباشرة، إلا إن خيار الحرب الشاملة يبقى مستبعدا أمريكيا وإيرانيا للتداعيات الكبيرة التي يمكن ان تترتب عليها، وهذا قد يتعارض مع رؤية الرئيس ترامب وشعاره لدور الولايات المتحدة«أمريكا أولا»، والتخوف ان مثل هكذا خيار يمكن ان يشجع على نشر الإرهاب ، وتنشيط الحركات المتشددة في كل إتجاه.

drnagishurrab@gmail.com