حتى أنت يا مفتول..!!

بقلم: الدكتورة أماني القِرم

قبل أقل من شهرين، اعتبرت "فيرجين أتلانتك"، شركة الطيران العالمية، أن كلمة فلسطيني توازي مصطلح "ارهابي".. كيف؟ فالشركة لم تتعرض لهجوم بقنبلة فلسطينية، ولم يتم ضربها بحجر فلسطيني فانبعج هيكل إحدى طائراتها المتينة، ولم يُشهر مسافراً يحمل جوازاً فلسطينياً سكيناً ويختطف إحدى طائراتها.

الحقيقة أن الأمر أبعد من هذه الأمور التقليدية. إنه المفتول، الأكلة الشعبية الفلسطينية، وبالانجليزي Couscous”" سبب الإرهاب.

خلاصة القصة أن الشركة قامت بوضع ما اسمته "سلطة المفتول الفلسطيني" على قائمة الطعام الخاصة بها. وما أن قرأ أحد الركاب السمجين كلمة فلسطيني مرافقة للمفتول حتى أصابه انتفاخ وتلبك معوي ونفسي كاد أن يودي بحياته. وما كان من الحركات المزورة للتاريخ والجغرافيا إلا أن انبرت في حملة شعواء متشعبة عبر وسائل التواصل الاجتماعي الفيس بوك وتويتر بمهاجمة الشركة، وإرسال رسائل متتالية لها متهمة إياها بدعم المفتول الارهابي، ومطالبة بإلغاء كلمة فلسطيني في وصف المفتول من قائمة طعامها !! وطبعاً انسحب الهجوم ليكون مكتملاً ومخيفاً على صاحب الشركة البريطانية، ريتشارد برانسون، والذي قيل أنه قد بان على حقيقته، منادين بمقاطعة الشركة ورحلاتها !

وطبعا قامت الشركة بالاستجابة لطلب مزوري التاريخ والجغرافيا مبررة استجابتها بأنها حريصة على رضا زبائنها ومعتذرة عن أية إساءة سببها المفتول لهم ... الفلسطيني بالطبع!

ما أدى بي لاستحضار هذه القصة هو قرار وزارة الخارجية الأمريكية بحذف مصطلح "الأراضي المحتلة " من تقريرها السنوي في تحدٍّ وخرق سافر للقوانين الدولية، واستبداله بيهودا والسامرة وهضبة الجولان، بناء على توصية ملحة وسابقة من السفير الأمريكي، الصهيوني ديفيد فريدمان،. والمثير للسخرية في الأمر أن التقرير الذي يصدر سنوياً يوضع خصيصاً لقياس حالة حقوق الانسان في العالم والمنطقة !!

لم يات يوم أسوأ على القضية الفلسطينية من مثل هذه الأيام التي بات فيها التاريخ يكتب بأقلام عمياء منافقة يستباح فيها الحق ويستبدل بالزور والبهتان ليصبحا حقيقة واقعة.

إن ما يربط الروايتين هو المقدرة الصهيونية التي باتت علامة بارزة في هذا الزمان. فالأصوات التي تدعمنا عالميا وعربيا تقل شيئا فشيئا مقابل ارتفاع أصوات نشاز طغت على المشهد بعلوها وصراخها، وتمهد الطريق لاسرائيل وأدواتها لاختراق الحاجز النفسي والثقافي لدى العقل الجمعي العربي الذي كان يراها العدو، فضلا عن استغلالها المنعطفات التاريخية لأولويات القيادات العربية لاختزال المسافة بينها وبين العرب. فانقلب الحق باطلاً وباتت فلسطين عبئاً، وذلك بالتوازي مع حملة عالمية شديدة النشاط لشطب كل ماهو فلسطيني.

أفيقوا أيها العرب فالعدو أمامكم وليس خلفكم. أفيقوا أيها الفلسطينيون فإذا كان المفتول إرهابيا فماذا نحن كائنون ؟ أخاف من يوم تذكرنا فيه القرون المقبلة كشعب كان واندثر... وكما قال الشافعي رحمه الله:

ليس الذئب يأكل لحم ذئبٍ .. ويأكل بعضنا بعضاً عيانا.

amaney1@yahoo.com