إسرائيل بعد سبعين عاما... هل حققت أمنها؟!

بقلم: الدكتور ناجي صادق شراب

استاذ علوم سياسية- غزة

لقد طرحت مسيرة العودة التي تشهدها الأراضي الفلسطينية في غزة هذا السؤال، وبصيغة أخرى: هل نجحت إسرائيل رغم تفوق قوتها العسكرية، وإمتلاكها للعديد من الرؤوس النووية في أن تحقق كدولة أمنها؟ وما هي مآلات المستقبل؟

سؤال الأمن والمستقبل أجاب عليه ست من رؤساء الإستخبارات العسكرية على مدار عمر إسرائيل كدولة ،"لصحيفة يديعوت" احرنوت، وكانت الإجابة بالنفي. بل ذهب أحدهم متسائلا اي بلد أتركه لأحفادي؟

لا شك هذه الإجابات تؤخذ بعين الإعتبار لأنها جاءت ممن وقفوا على صناعة القرار الأمني وأبعاده. ولونظرنا للتهديدات والتحديات التي تواجه إسرائيل من زوايا متعددة نلاحظ الكثير، ولنبدأ بالداخل: على الرغم من نجاح إسرائيل في بناء نظام سياسي برلماني وفر لها درجة عالية من الاستقرار السياسي ، والتداول السلمي للسلطة، وممارسة قدراً من الديموقراطية لمواطنيها، ورغم نجاحها في بناء قوة عسكرية متقدمة ، وقوة علمية بإحتلال جامعاتها ومعاهدها أماكن متقدمة في سلم الجامعات، وبناء قوة إقتصادية، إلا انها ما زالت تعاني من مشاكل بنيوية تهدد أمنها الداخلي ، ومستقبلها السياسي .

فما زالت تعاني من مشاكل الإندماج والهوية بين المتدينين والعلمانيين وبين" الإشكناز" و"السفرديم" ، فمظاهر الإنقسام والتمايز المجتمعي واضحة في العديد من المظاهر. وتعاني أيضا من مشكلة خطيرة تتعلق بحوالي مليونين نسمة من الفلسطينيين في الداخل ، وعلى الرغم من حملهم المواطنة الإسرائيلية، وتمثيلهم في الكنيست ، وممارسة قدر من الحقوق السياسية إلا أن التمايز وإعتبارهم مواطنين أقل درجات مقارنة باليهود أنفسهم واضحين في عدم القدرة على تكاملهم في المجتمع إسرائيلي .

وإذا ما أخذنا في الإعتبار نسبة المواليد المتزايدة ، فهذا يعني تغير العلاقة في التركيبة والمعادلة السكانية لغير صالح اليهود، وإذا ما أضفنا لهذا العدد عدد السكان في الضفة الغربية وغزة والذي تجاوز الخمسة ملايين نسمة، تبدو لنا خطورة هذا التهديد السكاني على اسرائيل.

وإلى جانب ذلك تعاني إسرائيل من تنامي ظاهرة الفساد السياسي ، ورأينا ذلك في التحقيقات مع نتانياهو التي قد تنتهي باللجوء للإنتخابات المبكرة. وفلسطينيا وعلى الرغم من نجاح إسرائيل في إستمرار إحتلالها وإستيطانها وتهويدها للاراضي الفلسطينية، إلا أنها فشلت كسلطة إحتلال، وهنا المقارنة مهمة بين الإحتلال وإستمراره وقدرته على إخضاع الشعب الفلسطيني .

الفشل واضح رغم سياسات القوة والإعتقال وأسر الالاف ، وسياسات الحصار وحروبها الثلاث على غزة، كل هذه الإجراءات والسياسات قوّت من صمود ورفض الشعب الفلسطيني لكل صور الاحتلال.

ولا شك ان الفلسطينيين قد نجحوا وحققوا إنجازات لا يمكن لإسرائيل تجاهلها أولا النمو السكاني الكبير ، وزيادة عدد السكان ، فاليوم أكثر من خمسة ملايين في الضفة وغزة والسؤال كيف ستتعامل معهم إسرائيل؟ كل سياسات الإقصاء والطرد والقوة فشلت بدليل المسيرة الأخير وعدد الشهداء المتزايد، ونجح الفلسطينيون وفشلت إسرائيل في الحفاظ على الهوية الدولية للشخصية الفلسطينية عبر إنتزاع إعتراف بدولتهم كدولة مراقب في الأمم المتحدة، ونيل عضوية العديد من المنظمات الدولية .

والإنجاز الأكبر ان القضية الفلسطينية ما زالت لها مكونها العربي ، ولا يمكن تحقيق اي شكل من أشكال السلام او القبول عربيا بدون قيام الدولة الفلسطينية وهذا ما أكدته القمة ألأخيره في بيانها الذى أكد على مركزية القضيه والقدس .وإقليميا لا يمكن القول ان هناك قبولا لإسرائيل كدولة عادية في المنظومة العربية، وما زال ينظر لسياساتها على أنها تشكل تهديدا مباشرا لأمن الدول العربية.

وفي الوقت ذاته برزت ظواهر لا تعمل لصالح إسرائيل، أولا صعود قوة دول مثل إيران والتي تسعى لإمتلاك القوة النووية بشتى الطرق.ومن الظاهر الخطيرة أيضا والتي لم تتوقعها إسرائيل بروز دور القوى والفواعل من غير ذات الدول كحزب الله وحماس والجهاد والجماعات الإسلامية المتشددة ، وكلها ترفض الإعتراف بإسرائيل.

وأما الذي قد يثير القلق لإسرائيل تحالفاتها وصورتها على المستوى الدولي ، فلأول مره نرى أشكالاً من المقاطعة لإسرائيل، وإنتقاداً لسلوكها السياسي في التعامل مع الشعب الفلسطيني ، وزيادة الأصوات التي تنادي بالإعتراف بالدولة الفلسطينية. ولعل الأكثر اقلاقاً التحالف مع الولايات المتحدة، فصحيح ان الولايات المتحدة ما زالت الحليف القوى وخصوصا في ظل إدارة الرئيس ترامب وإعترافه بالقدس عاصمة لإسرائيل ، لكن ليس هناك من يضمن في المستقبل تأييد الإدارات الأمريكية، أو ضمان هذا التحالف الذي قد يخضع لحسابات وتحولات في السياسة الداخلية الأميركية.

إسرائيل تحاول من جانبها ان تعتمد على إستراتيجية الأمن الذاتي بإمتلاك كل مصادر القوة العسكرية بما فيها النووية ، لكن بقاء إسرائيل وأمنها يكمنان في قبولها فلسطينيا وعربيا، وهذا لن يتحقق إلا بإنهاء الإحتلال ، وبقيام الدولة الفلسطينية الديموقراطية ، والإعتراف بحق الشعب الفلسطيني في ممارسة حقوقه التاريخية والشرعية. هذا ما ينبغي أن تستخلصه إسرائيل بعد سبعين عاما، وهذا ما أكدته مسيرة العودة.

drnagishurrab@gmail.com