ترامب يستعد لقتل "الاتفاق النووي" مع إيران الشهر المقبل وقادة اوروبيين يحاولون إقناعه بالتريث

واشنطن - "القدس" دوت كوم - سعيد عريقات - أعرب رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأميركي، السيناتور بوب كوركر، عن اعتقاده بأن الرئيس الأميركي دونالد ترامب يستعد "لقتل الصفقة النووية" الإيرانية، والانسحاب من هذا الاتفاق الذي وقعته الولايات المتحدة والدول الأربع دائمة العضوية في مجلس زائد ألمانيا مع إيران في شهر تموز 2015 لضمان تفكيك برامجها النووية، وذلك على الرغم من تأكيد "الوكالة الدولية للطاقة الذرية" المستمر بأن إيران تلتزم تماماً ببنود وقيود الاتفاق الموقع.

وفيما يحث بعض القادة الأوربيين إدارة ترامب على التمسك بالاتفاق لإيجاد فرصة لإصلاح "العيوب المروعة" في الاتفاق حسب وصف ترامب، إلا أن كل الدلائل تشير إلى ان ترامب لن يتراجع عن وعده بوأد هذا الاتفاق رغم تصريحات السفير الأميركي لشؤون نزع السلاح، روبرت وود، بأن الولايات المتحدة تأمل في التوصل لاتفاق مع بريطانيا وفرنسا وألمانيا لتهدئة مخاوف الرئيس ترامب بشأن الاتفاق النووي.

ومن المتوقع أن يتخذ ترامب قرارا بانسحاب الولايات المتحدة من هذا الاتفاق الذي أبرمه سلفه الرئيس باراك أوباما، وهو الاتفاق الذي منح ترامب ذخيرة لمهاجمة الاتفاق ووصفه بأنه "أسوأ صفقة في التاريخ" أثناء حملته الانتخابية لعام 2016، حاشدا بذلك التأييد بين أوساط اليمين واللوبي الإسرائيلي.

ومن المتوقع ايضا ان يقرر ترامب يوم 12 أيار المقبل ما إذا كان سيواصل الالتزام بهذا الاتفاق أم سيفرض عقوبات أشد على طهران.

يشار إلى أن شركاء الولايات المتحدة في هذا الاتفاق (الصين وروسيا وألمانيا وفرنسا وبريطانيا) يعارضون الانسحاب الأميركي من الاتفاق، بينما أعلنت طهران أنها لن تكون ملزمة بالوفاء بالتزاماتها إذا أعيد فرض عقوبات عليها.

وقال السناتور كوركر لموقع (ديلي بيست)، إن "هناك فرصة في مفاوضات اللحظة الأخيرة مع حلفاء أميركا الأوروبيين يمكن أن تنتج إطارا لمعالجة شكاوى ترامب التي طال أمدها بشأن الصفقة، لكن يبدو أن الرئيس مستعد تماماً لقتل الصفقة إذا لم يحصل على ما يسعى إليه في الموعد المحدد بحلول 12 أيار المقبل".

وأضاف أنه "إذا لم يتغير شيء من الآن وحتى الـ 12 أيار المقبل، فإن الرئيس سينسحب تماماً من الاتفاق"، مشيرا إلى ان هناك صعوبات تواجه القادة الأوروبيين الذين سيتوجهون إلى واشنطن الأسبوع المقبل لمحاولة إقناع ترامب بعدم الانسحاب من الاتفاق.

وقلل كوركر من شأن مخاوف عبر عنها محللون من أن تقويض الاتفاق النووي الإيراني قد يجعل صفقة مماثلة مع كوريا الشمالية حول برنامجها النووية أصعب بكثير، حيث يرى السناتور الجمهوري أن الزعيم الكوري الشمالي كيم يونج أون لديه حسابات أخرى بشأن ترسانته النووية، بعد أن شاهد الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي يتخلى عن برامجه "النووية"، ويفقد ضمانات بقائه في السلطة.

وتفيد أروقة الأبحاث المختلفة في العاصمة الأميركية أن "العديد من الأشخاص حول الرئيس" يودون رؤية نوع من البراعة الدبلوماسية التي من شأنها أن تقوي الضغط الأميركي- الأوروبي على سلوك إيران في المنطقة دون أن يقتل الاتفاق من جانب واحد.

يشار إلى أنه من المقرر أن يحضر كل من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل إلى واشنطن نهاية الشهر الجاري، حيث ستتركز المحادثات على الصفقة النووية الإيرانية، فيما يؤكد ترامب وغيره من منتقدي الصفقة باستمرار على أن الاتفاق لم يف بوعود تقييد برامج إيران العسكرية الأخرى، بما في ذلك برنامج الصواريخ الباليستية، أو "كبح جماح إيران في زعزعتها لاستقرار الشرق الأوسط وتهديد حلفاء الولايات المتحدة بالمنطقة".

وتحاول الدول الكبرى في الاتحاد الأوروبي صياغة إطار دبلوماسي جديد لمعالجة مخاوف ترامب بشأن الصواريخ الباليستية الإيرانية، وتعزيز عمليات التفتيش على المواقع النووية والصواريخ الإيرانية المشبوهة، ولكنها ما تزال تواجه صعوبات فيما يتعلق بمطالب الولايات المتحدة للبند الذي يتيح لإيران استئناف أنشطتها النووية بعد 10 سنوات من توقيع الاتفاق. وتتمسك أطراف الاتفاق الأخرى، بالحفاظ على الصفقة ورفع مجموعة العقوبات الدولية المفروضة على طهران، في مقابل فرض قيود على برامجها النووية.

يُذكر أن كلا من بريطانيا وفرنسا وألمانيا قد سعت مؤخراً إلى المضي قدما في مقترح لفرض عقوبات على 15 مسؤولا كبيرا وشخصيات عسكرية وشركات إيرانية قبل انقضاء مهلة الـ 12 من أيار المقبل، في ظل تأكيدات مسؤولين بالحكومة الأميركية بأن مثل هذه العقوبات قد تؤثر في قرار ترامب.

من جهتهما، كتب كل من أوميد نوريبور، وهو عضو بارز في لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان الألماني؛ ودلفين أوه، التي تقود مجموعة الصداقة بين فرنسا وإيران التابعة للجمعية الوطنية الفرنسية؛ وريتشارد باكون، الذي يرأس المجموعة البرلمانية المعنية بإيران في مجلس العموم البريطاني، مقالاً نشرته صحيفة (نيويورك تايمز) اليوم الجمعة تحت عنوان "أوروبا تناشد الكونغرس الأمريكي بالحفاظ على الاتفاق الإيراني".

وجاء في مستهل هذا المقال أنه ليس هناك الكثير من الأمور التي تثير القلق بشأن الشرق الأوسط مثل الوضع الراهن للدول المسلحة نووياً وأن "نظام حظر الانتشار النووي نجح حتى الآن في تقليص عدد هذه الدول، حتى في سياق الحرب الباردة الإقليمية المستمرة بين المملكة العربية السعودية وإيران" وأن "خطة العمل الشاملة المشتركة (الاتفاق النووي الإيراني) هي الخطوة الواعدة الأكثر أهمية – والأكثر تأثيراً - التي اُتخذت نحو منع انتشار الأسلحة النووية خلال السنوات العشرين الماضية".

ويقول المقال "لا يشكل هذا الاتفاق معلماً تاريخياً يتوج عشر سنوات من المفاوضات الدبلوماسية المكثفة فحسب، ولكنه أيضاً ضمانة ضد ظهور شرق أوسط نووي".

ويحذر المقال من أن تهديدات ترامب وإدارته بالانسحاب من هذا الاتفاق تعرض الاتفاق للخطر "وقد تدفع الإيرانيين أيضاً إلى الانسحاب من الاتفاق، وبدء سباق نووي في المنطقة؛ وستحدث صدعاً في الشراكة مع أوروبا وستدفعها نحو نوع من التحالف القسري مع الروس والصينيين لإنقاذ جزء من الاتفاق على الأقل".

ويوضح المقال أن هذه هي الأسباب التي تجعل فرنسا وألمانيا وبريطانيا تواصل دعم الاتفاق ودعوة الرئيس ترامب إلى الوفاء بالالتزام الذي قطعته مع الولايات المتحدة يوم 14 تموز 2015 في فيينا، وإنهم يريدون إخبار الكونغرس الأميركي الآن بأن بلدانهم ستظل تراعي الالتزامات التي قدمتها بالتعاون مع الولايات المتحدة، مع تحذيرهم من العواقب الوخيمة المترتبة على الانسحاب الأميركي من اتفاق فيينا.

واكد كتاب هذا المقال انهم يعتزمون كتابة رسالة سيجري نشرها يومي الخميس والجمعة في كبرى الصحف في فرنسا وألمانيا وبريطانيا تدعو أعضاء الكونغرس الأميركي إلى تقديم دعمهم الكامل للاتفاق النووي ومنع حكومتهم من الانسحاب من هذا الإنجاز الدبلوماسي الهائل.

وتحمل الرسالة المزمع نشرها تواقيع أكثر من 500 عضو في الجمعية الوطنية الفرنسية والبرلمان الألماني ومجلس العموم البريطاني -362 فرنسي و70 بريطانياً و75 ألمانياً- يمثلون كل الأحزاب والتوجهات السياسية في الدول الثلاث.

ويقول هؤلاء "قد يختلف الموقعون حول السياسات الداخلية وقضايا دولية أخرى، لكنهم يتفقون على شيء واحد وهو أن الاتفاق الإيراني هو إنجاز هام يخدم أمنهم الجماعي، في الشرق الأوسط وخارجه"، مشيرين إلى أنه "في النهاية هناك حاجة إلى بناء نظام عالمي أكثر عدلاً يستند إلى قيم الحرية وحقوق الإنسان وسيادة القانون، ليس لمواجهة إيران فحسب، ولكن أيضاً للمساعدة في التوصل إلى تفاهم بين إيران والمملكة العربية السعودية بوصفهما أبرز خصمين في الشرق الأوسط اليوم؛ ولتقديم بديل موثوق به للأيديولوجيات المتطرفة التي تتغذى على الاضطرابات والفوضى والقمع والفساد في أجزاء كثيرة من العالم؛ ولتعزيز مبادئ الديمقراطية، التي ضحى العديد من الأميركيين بأرواحهم لمساعدة أوروبا على تحقيقها والتحرر من الفاشية في الماضي غير البعيد".