تنامي الضغوط على مؤتمر الصحة النفسية المقرر عقده في تل أبيب عام 2019

بقلم: أليس روتشيلد*

ما انفكت ردود الفعل الاستثنائية تتوالى على مؤتمرٍ للصحة النفسية في إسرائيل. فما انْ أعلنت الرابطة الدولية للتحليل النفسي العلائقي، والعلاج النفسي نيتها لعقد مؤتمرها الدولي للصحة النفسية لعام 2019 في تل أبيب، حتى أثار الأطباء السريريون مسألتين أساسيتين:

1- كيف يمكن عقد مؤتمر دولي في بلدٍ لن يمنح تأشيرته على الأرجح للأطباء المشاركين كافة، أو لن يَسمح بمشاركة بعضهم بالمؤتمر، كالأطباء الفلسطينيين من الضفة الغربية وغزة، والأجانب ممن لديهم سجلا من النشاط و/أو تقديم الدعم لحركة مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها.

2- إنّ عقد مؤتمر دولي في دولة ما، يؤشر نوعاً على الدعم الضمني لسياسة هذه الدولة أو القبول بها على الأقل. وهذا ينطبق على إسرائيل بوجه خاص حيث تعي المؤسسة الإسرائيلية أن المؤتمرات والعروض والحفلات والزيارات الأكاديمية والتبادلات الثقافية والعلمية تعني قبولاً ضمنيًا بالوضع القائم. من جهة اخرى، تنص المقاطعة الثقافية لإسرائيل بوضوح على أن تنظيم فعالية كبرى في إسرائيل هو بمثابة إعلان سياسي يروج لسياساتها على المسرح العالمي. وما يؤكد هذه الحقيقةَ، الجدلُ المحتدم والقائم حالياً في إسرائيل بخصوص الاحتجاج حول موقع انعقاد المؤتمر.

وتعلل الرابطة الدولية للتحليل النفسي العلائقي والعلاج النفسي في ردها على المعارضين لعقد المؤتمر في تل أبيب بأنها لا تختار مواقع مؤتمراتها بناءً على اعتبارات سياسية، وإنما تعقد مؤتمراتها في دولٍ توجد فيها فروعٌ كبيرة وحيوية للرابطة (كفرعِ الرابطة في إسرائيل). غير أن هناك فروعًا اخرى تحمل نفس الصفات توجد في بلدان عديدة أخرى، وإسرائيل هي الفرع الوحيد الذي سيمنع إمكانية وصول المهنيين ومشاركتهم في المؤتمر على أساس عرقهم وآرائهم السياسية.

ويشير الأطباء السريريون إلى المفارقة في تركيز الرابطة على مناهج التحليل النفسي العلائقي للعلاج. فكيف يتسنى مع هذا التناقض لمجموعة من المعالجين المطلعين على "المفاهيم العلائقية الرئيسية، مثل الذاتية المشتركة والاعتراف المتبادل" الذين يقدِّرون "كيف تفسح النظرية والممارسة العلائقية المجالَ أمام التفكير في الآثار الصحية النفسية المترتبة عن الظروف الاجتماعية والسياسية،" أن يعقدوا مؤتمرًا في بلدٍ يحفلُ تاريخه بانتهاكات حقوق الإنسان والاحتلال والحصار.

وتبرز القضية الأخلاقية الأخرى حول مسؤولية أطباء الصحة الجسدية والنفسية في دراسة السياق الذي يعالجون فيه مرضاهم، فكيف تؤثر الأمراض الاجتماعية والنضالات السياسية والقيود الاقتصادية واندلاع الحروب أو توقفها في صحة المرضى النفسية؟ وكيف يمكن لهؤلاء الأطباء أن يتعاملوا مع الديناميات العلاجية الصغرى والكبرى؟ فلا يمكن للمرء أن يتعافى من اضطراب ما بعد الصدمة إذا كانت الصدمة متكررة ومستمرة. وما هو واجب المعالج في معالجة البيئة التي يعيش فيها المريض؟

وتزعم إسرائيل أنها الديمقراطية الغربية الحديثة في المنطقة، ولكن هذا لا يشمل سوى الإسرائيليين اليهود، ولا سيما ذوي الأصول الأشكنازية منهم (اليهود البيض من أوروبا الشرقية) الذين كانوا من أوائل المستوطنين في فلسطين، ويهيمنون اليوم على المجال السياسي والطبقات الاجتماعية والاقتصادية. وفي الوقت نفسه، تيرز إسرائيلُ كدولةٌ إثنوقراطية معقدة ويشكل الامتياز اليهودي فيها أساسَ الهياكل القانونية والثقافية ومواقفَ غالبية السكان اليهود. ويترتب على النظرة الدونية إلى العرب كبشر أقلَّ إنسانيةً واستحقاقًا نتائج، مثل الانتهاكات الإسرائيلية الجسيمة المستمرة لحقوق الإنسان الفلسطيني، وحبس الأطفال الفلسطينيين وتعذيبهم، واستخدام الاحتجاز الإداري على نطاق واسع، وارتفاع معدل الإدانة أمام المحاكم العسكرية لنسبة تفوق 99%. بالإضافة الى تهديدات قانونية متزايدة تطال منظمات حقوق الإنسان، ولغة عنصرية من أعلى المستويات الحكومية تجاه طالبي اللجوء السودانيين والإريتريين (الذين يواجهون الآن خطرَ الإعادة القسرية إلى بلدانهم الأصلية، حيث سيواجه العديد منهم التعذيب والاسترقاق والموت) وتجاه الفلسطينيين. هذا ناهيك عن قدرٌ غير متناسب من السلطة في يد الأرثوذكس المتطرفين، والحاخامات وحركة المستوطنين اليهود، الذين هم في الغالب أكثر شرائح المجتمع عنصريةً وكراهية للإسلام وكراهية للمثليين.

في كانون الثاني/يناير 2018 أطلقت الشبكة البريطانية الفلسطينية للصحة النفسية حراكًا احتجاجيًا بالتعاون مع الناشطة الفلسطينية الرائدة والطبيبة السريرية، د. سماح جبر، وأُنشئت عريضة بدعم من منظمة "صوت يهودي من أجل السلام" تطالب الرابطة الدولية بتغيير موقع مؤتمر 2019، وتقترح عقده في الأردن أو قبرص على سبيل المثال.

وأثار هذا المطلب نقاشًا حيًا وصعبًا وصادقًا في أوساط الأطباء الممارسين في مجال الصحة النفسية على المستوى الدولي وداخل إسرائيل، وسلَّط النقاشُ الضوء على احتلال فلسطين.

وردَّت الرابطة باقتراح أن تتصدى للمسائل المثارة بإجراء زيارات للأرض الفلسطينية المحتلة تسبق انعقاد المؤتمر، وتنظم جلسات تتناول جوانب التحليل النفسي للاحتلال.

ووقَّع على العريضة الاحتجاجية حتى الآن ما يزيد على 1300 شخص معني في هذا المجال الصحي حول العالم، والأبرز من ذلك أن 24 طبيبًا نفسيًا فلسطينيًا من حَملة الجنسية الإسرائيلية أصدروا بيانًا جاء فيه: "نعرب عن تضامننا مع زملائنا الفلسطينيين في الضفة الغربية المحتلة وغزة المحاصرة الذين يعانون يوميا من الاضطهاد والحرمان من الحرية والعنف المزمن، بما في ذلك عمليات القتل المتكررة للمدنيين من قبل الجيش الإسرائيلي الذي يفلت من العقاب إلى حد كبير، كما نؤكد أن زملاءنا الفلسطينيين يمتلكون الحق في مقاومة الاحتلال." وناشدوا الرابطة الدولية أن تعقد المؤتمر في بلد حيث تكون فرصة زملائهم الفلسطينيين في الحضور أكبر.

وبالإضافة إلى ذلك، أصدر 33 عضوًا إسرائيليًا في منظمة "سايكوأكتيف: متخصصون في الصحة النفسية من أجل حقوق الإنسان" بيانًا عامًا بشأن التناقضات والتعقيدات التي ينطوي عليها عقد المؤتمر في تل أبيب، وطلبوا من الرابطة الدولية أن تُعيد النظر في موقع انعقاد المؤتمر.

ويواجه الذين وقعوا هذه العرائض من الاسرائيليين اليهود والفلسطينيين مخاطرَ عديدة من ضمنها خلافات شخصية مع زملائهم من الأطباء السريريين، حيث تلقى العديد منهم تهديدات مهنية وقانونية وأخرى خارجة عن القانون، ومن المحتمل النظر إلى توقيعاتهم على هذه العريضة كاستجابة محتملة لنداء مقاطعة إسرائيل الذي بات مُجرَّمًا الآن في المجتمع والنظام القانوني الإسرائيلي ذي الصبغة المكارثية المتنامية. ولكن في منحى آخر، يُكنُّ المشاركون في الاحتجاجات حول العالم احترامًا كبيراً للمواطنين الإسرائيليين لِما يواجهونه من مخاطر حين يجهرون بالحق، كما يحثون الأطباء السريريين على العمل الجماعي وتمشيًا مع حدودهم الشخصية ومعتقداتهم السياسية.

ويُبرز هذا النقاش بمجمله حقيقةَ أن عدم قدرة الأطباء من غزة والضفة الغربية على حضور المؤتمر في تل أبيب بسبب القيود الصارمة على إصدار التأشيرات والحركة الضغوط الشديدة التي يواجهها الأطباء في المنطقة، الذين لا يستطيعون في الغالب حضور المؤتمرات الدولية أو الدورات التدريبية المتقدمة، ناهيك عن الحصول على المعدات الطبية والأدوية وما إلى ذلك.

لقد أثارت الحركة الاحتجاجية حتى الآن مناقشات واسعة، ورفعت مستوى الوعي بواقع الأطباء المُغيبين في العادة، وهذا النقاش صعبٌ وصحي، ومن المؤكد أنه سيتبعه المزيد.

...................................................................................................

*أليس روتشيلد: طبيبة وكاتبة وصانعة أفلام. تركز اهتمامها منذ العام 1997 على حقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية في الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني. عملت سابقاً أستاذة مساعدة في مجال طب التوليد والنسائيات في كلية الطب بجامعة هارفارد. تلقي اليس محاضرات حول الحقوق الفلسطينية على نطاق واسع، وتنشط في منظمة "الصوت اليهودي من أجل السلام".