نفايات الحرب!!

بقلم: الدكتور باسم الطويسي

تزداد بقوة مؤشرات تشكل موجة جديدة وربما غير مسبوقة من عمليات إرهابية مصاحبة لنمو متصاعد لتجارة المخدرات وتهريب الأسلحة في ضوء عمليات تصفية التنظيمات الإرهابية في سورية والعراق، وقد تمتد لتصل بؤرا ساخنة في افريقيا ومناطق أخرى في آسيا. بعض هذه التطورات من المتوقع أن تأتي وفق منطق العمليات الثأرية وأخرى نتيجة لعمليات التفكيك والترحيل الجارية حاليا والتي تتم بدون إعادة تأهيل لتلك المجتمعات من المتطرفين. لكن الأمر الذي باتت مؤشراته أكثر وضوحا، فهو ازدياد خطر تجارة المخدرات وتهريب السلاح بسبب وقف التمويل الخارجي الذي كانت تقدمه بعض دول المنطقة، ما دفع هذه التنظيمات الى المزيد من الاستثمار في هذه المجالات لتعويض خسائرها. نحن أمام مرحلة التعامل مع نفايات الحرب.

تشكل الحدود الأردنية الشمالية والشرقية أكثر نقاط الاستهداف تحديدا لتجارة المخدرات والأسلحة التي تديرها تلك التنظيمات. ولعل آخرها ما كشفت عنه القوات المسلحة الأردنية الشهر الماضي، من مخطط لمجموعة من الإرهابيين وتجار المخدرات، باستخدام أنبوب النفط القديم الذي يربط بين الحدود الأردنية والسورية، كما يربط الحدود الأردنية والعراقية؛ حيث قامت شبكة من الإرهابيين ومهربي المخدرات والأسلحة باستغلال أحد البيوت القريبة من الحدود وخط الأنابيب، وحفر مجموعة من الأنفاق وتجهيزها لغايات الاستخدام في عمليات التهريب وتنفيذ العمليات الإرهابية.

حالة عدم الاستقرار والصراعات والحروب التي شهدتها المناطق المحيطة بالأردن، خلقت حالة من الفوضى وأضعفت المؤسسات الأمنية ومؤسسات المكافحة في دول الجوار، ما أضعف دورها بل وأوقفها عن العمل في بعض تلك الدول، الى جانب ضعف تدابير مراقبة الحدود. كل ذلك وفر بيئة ملائمة للاتجار وتحولت بعض دول المنطقة الى دولة إنتاج رئيسة للمخدرات.

انتشرت زراعة القنب الذي يصنع منه البانجو والحشيش في سهل البقاع ومناطق عديدة من العراق، نتيجة عدم الاستقرار في سنوات ما قبل العام 2010، ومنذ العام 2013، وكما يشير التقرير العالمي للمخدرات، فإن معظم مضبوطات الأمفيتامين المبلَّغ عنها في الشرق الأوسط منشؤها الجمهورية العربية السورية ولبنان.

وفي المقابل، لا توجد تقديرات مستقلة لحجم الأسلحة الفردية أو شبه الفردية المنتشرة في سورية حاليا، وتلك الأسلحة شبه الثقيلة التي ما تزال بين أيدي الجماعات المتطرفة. ووفق كل الاعتبارات، فقد شهدت سورية خلال السنوات السبع الماضية، أكبر عمليات ضخ وتهريب وتكديس أسلحة بمختلف أحجامها وأغراضها. ومع تفكك التنظيمات الإرهابية أو تصفيتها، سيبقى مصير تلك الأسلحة غامضا وستبقى مصدرا للقلق ليس فقط للسوريين بل وللدول المجاورة أيضا.

ومع غياب منظور دولي أو إقليمي لإعادة تأهيل المنطقة والمجتمعات التي تعرضت لموجات طويلة من الإرهاب، ومنها المجتمعات والمناطق التي شهدت سيطرة شاملة من قبل الجماعات المتطرفة، يزداد خطر بروز تهديدات جديدة وغير متوقعة لا يشترط فيها أن تأخذ أشكال الإرهاب التقليدية، مثل احتمالات ظهور الجريمة المنظمة العابرة للحدود وتحول بعض الجماعات التي كانت منطوية تحت لواء تنظيمات الى أشكال جديدة من الارتزاق والبحث عن البدائل. وفي حال جر المنطقة الى حرب جديدة، فسوف توفر الحرب المتوقعة ملاذات وشرعية جديدة لحالة أخرى من فوضى السلاح والمخدرات والإرهاب.

إنها بدون شك نفايات الحرب التي يجب أن يستعد الجميع للتعامل الجدي معها؛ موجات جديدة من مصادر التهديد التي لن تتوقف على الأشكال التقليدية من الإرهاب، وموجات أخرى من فائض تجارة المخدرات والأسلحة والجريمة.

... عن"الغد" الأردنية

basim.tweissi@alghad.jo