هل تفجر أميركا المنطقة بعد الهزيمة الإستراتيجية في الغوطة؟!

بقلم : راسم عبيدات - القدس

يتضح من تحليل للواقع الملموس، وفي تحليلنا للواقع الملموس وطبيعة الأوضاع في سوريا بعدما تحقق من نصر استراتيجي في الغوطة الشرقية، بالقضاء على المجاميع الإرهابية، والتي هي عناوين ويافطات لقوى ودول خارجية تمولها وتسلحها وتقدم لها كل الدعم والإسناد اللوجستي والإستخباري والمعلوماتي والسياسي والإعلامي، خدمة لمصالحها واهدافها، وإجتثاثها وإخراجها من الخاصرة الرخوة للعاصمة دمشق،الغوطة الشرقية أن ذلك من شأنه ان يفقدها الكثير من الأهداف ذات البعد الإستراتيجي، وفي المقدمة منها إطالة امد الحرب على سوريا واستنزاف جيشها، وتحويل سوريا الى دولة فاشلة عبر التقسيم الجغرافي والمذهبي لها.

ومن هنا فإن هول الهزيمة في الغوطة الشرقية ذات الطابع والبعد الإستراتيجي، أخرج قادة الحلف المعادي عن طورهم وعن كل ما يجب ان يتمتع به أي رئيس دولة أو مسؤول من لياقة دبلوماسية واخلاق، حيث وصف المتصهين ترامب الرئيس السوري ب " الحيوان" والمتصهينة الحمراء مندوبته في الأمم المتحدة، نيكي هايلي، قالت بأن اميركا ستعمل ضد سوريا بقرار من مجلس الأمن وبدون قرار.

مسألة الإستعدادات والحشود العسكرية من بوارج ومدمرات حربية وصواريخ وطائرات من قبل الحلف المعادي الأميركي - الصهيوني والبريطاني والفرنسي، ومروحة من التوابع في مقدمتهم بعض دول الخليج، لا يحركهم استخدام السلاح الكيماوي في دوما، فهذه قضية باتت لا تنطلي على طفل رضيع، حيث الفبركة اعداداً وإخراجاً، كلما حقق الجيش السوري المزيد من الإنتصارات، ولا ذرف دموع التماسيح على اطفال الغوطة، فهؤلاء سجلهم حافل في القتل والإرهاب، ولعل من يفاخر بأن قناصته يستحقون أوسمة على قتل المواطنين العزل في قطاع غزة، بينما يوجد من يوفر له الحماية في مجلس الأمن الدولي من الإدانة على مثل هذه الجرائم، خير مثال على وحشيتهم.

من بعد الهزيمة الإستراتيجية في الغوطة الشرقية، صرح ترامب بأن القوات الأمريكية المحتلة في شرق سوريا ستنسحب من هناك، واذا ما أراد حلفاء امريكا بقاءها فعليهم دفع التكاليف والتي لا تقل عن 4 مليارات دولار، ومن هنا اندلع الصراع في الإدارة الأميركية بين الرئيس القادم من الكارتيل الإحتكاري الريعي، والذي يتعاطى مع الأمور والعلاقات مع الدول بلغة المال والصفقات والربح والخسارة والوكالات والعمولات، وبين الدولة الأميركية العميقة وبنيتها الاستراتيجية القائمة على منطق السيطرة والنفوذ والإمساك بقرار العالم بصرف النظر عن التكلفة، ولذلك هي رفضت قرار الرئيس بالإنسحاب الأميركي من شرق سوريا، واعتبرت ذلك هزيمة امام سوريا وحلفها الروسي والإيراني. ولذلك بحثت هي بالشراكة مع تابعها «العربي» عن مسرحية الكيماوي تمثيلاً وإخراجاً لمنع قرار الإنسحاب.

هناك أسباب داخلية وخارجية تدفع نحو التصعيد العسكري في سوريا، فمفاعيل هذا النصر الإستراتيجي السوري، يجب وقفها بأي شكل، فهذا النصر يعني بأن الجيش السوري سيتفرغ لتحرير ما تبقى من الجغرافية السورية جنوباً، وهنا الخطر الجدي والكبير على ربيبة امريكا وحليفتها الإستراتيجية اسرائيل، وكذلك سيتمدد نحو الشمال الشرقي، ولن تبقى القواعد الأميركية ولا صنائعها من القوى العميلة في أمان.

ولذلك أصبحت الإدارة الأمريكية تعج بالمتصهينين وآخرهم جون بولتون، الذي عين كمستشار للأمن القومي الأميركي بدلاً من مكماستر، ومايك بومبيو وزيراً للخارجية بدلاً من ريكس تيلرسون، وهؤلاء من قادة التطرف والمعادين لروسيا وسوريا والمطالبين بإلغاء الإتفاق النووي مع طهران، وبولتون يدعو الى توجيه ضربة عسكرية الى سوريا ذات طابع استراتيجي، أي ضربه تدمر الأسلحة النوعية من الدفاعات الجوية والمطارات وتخرجها من الخدمة العسكرية، وبما يضعف من قدرات الجيش السوري، ويمنعه من استكمال إستعادة تحرير اراضيه جنوباً وشرقاً .

أمام هذا الواقع والمعطيات من التهويل والتجييش والتهديدات واستنفار كل الأسلحة ووسائل الإعلام وشيطنة روسيا وسوريا وايران وتوجيه الإتهام المباشر لبوتين بتحمل المسؤولية مباشرة عن مسرحية الكيماوي، ربما يهدف للضغط على روسيا من أجل التوصل الى تسوية سياسية، لا تراعي الإنتصارات والإنجازات المتحققة في الميدان، وتمنح دول العدوان ما لم يتحقق له عسكريا وميدانياً، ولذلك الإحتمال يكاد يكون معدوماً، بأن توافق سوريا ومحورها عليه.

والإحتمال الآخر ان تذهب أمريكا وحلفها الى حرب شاملة ومفتوحه مع روسيا وحلفها، ولا اعتقد بان هذا الخيار وارد، ولو أرادت اميركا هذا الخيار، لربما ذهبت اليه قبل تحرير الغوطة كونها، تشكل المدخل للإنقضاض على العاصمة دمشق ولتواصل مع قاعدة التنف لاحقاً، وبما يبقي مشاريع تقسيم سوريا حية وقائمة، ولكن لا اعتقد بأن المشاريع التي جرى دفنها في زملكا وجوبر وعين ترما ودوما يمكن احياءها، ولذلك فإن أميركا ومعها محورها الدولي والإقليمي والمشيخاتي العربي، يدرك تماماً بأن أي حرب شاملة ومفتوحة مع روسيا وطهران وسوريا، سيكون ثمنها باهظاً ومكلفاً، ثمنها ضرب وتدمير مصادر الطاقة الأمريكية في الخليج العربي، واغلاق مضيق هرمز، وضرب قاعدتها المتقدمة في المنطقة اسرائيل، لكننا نعرف أن ضواري الرأسمالية المعولمة "متوحشة" وربما تقدم على حماقات كبرى، ولكن في ظل قوة ردع وتهديد مصالح استراتيجية لها، فأنا أرجح ضربة عسكرية محدودة، لكي تقول امريكا نحن هنا ولن نخرج من "المولد بلا حمص". وسيستمر التفاوض على صفيح ساخن، ولكن دون الإنزلاق الى حرب شاملة، ولكن المرجح هو نصف مواجهة على حافة الهاوية لفتح مسارات التفاوض.

ولن تنجح لا مليارات بن سلمان ولا تهديدات وضغوط نتنياهو في جر امريكيا الى حرب تخسر فيها مصالحها الإستراتيجية في الخليج والمنطقة ومضيق هرمز.