الفلسطينيون والإسرائيليون.. ما بين خيارات الصراع وخيارات التسوية

بقلم: الدكتور ناجي صادق شراب

استاذ علوم سياسية-غزة

الفلسطينيون والإسرائيليون هما طرفا الصراع والتسوية الرئيسيين، وما دونهما فواعل مساندة أو داعمة لأي منهما. ولذلك فإن أي خيارات تتوقف على طبيعة وبيئة كل من الطرفين الرئيسيين. وهنا نحن أمام نموذج من التعقيد والتكامل والتشابك في الخيارات.

فمن ناحية البيئة الجغرافية أو عامل المكان يفرض خياراتهما، فالبيئة الجغرافية بكل خصائصها الطبوغرافية والطبيعية، ومن حيث المساحة الصغيرة عموما وصعوبة تجزئتها بشكل قاطع، قد يبدو خيار القطع سهلا على الورق، بمعنى يمكن تفصيل أي خيار على الورق، لكن الواقع الجغرافي قد يفرض صعوبات كثيرة.

والبيئة السكانية أيضا تفرض تأثيراتها، وهنا قد يبرز صعوبة التعايش بين الشعبين الفلسطيني والإسرائيلي لدرجة الإندماج أو التكامل كما يحلو لدعاة حل الدولة الواحدة الخيالية، ودعاة الدولتين المنفصلتين وكأنهما في بيئتين جغرافيتين ومكانتين بعيدتين. ومن ناحية في داخل إسرائيل عشرين في المائة من السكان من الفلسطينيين أصلا ويمارسون حقوقا سياسية كمواطنين في دولة إسرائيل حتى لو كانت أقل من حقوق الإسرائيليين أنفسهم، ومن ناحية ثالثة التداخل السكاني بين الفلسطينيين والإسرائيليين وخصوصا في الضفة الغربية التي تعتبر القلب لكل منهما، فهي تشكل القلب الواحد برئتين منفصلتين، وتفرض المحددات الإقتصادية بدورها على أي من الخيارات السياسية الممكنة، فالتكامل الإقتصادي، ووحدانية الموارد الإقتصادية التي تفرضها وحدانية الأرض، فمن الصعوبة بمكان تصور الفصل الكامل لهذه الموارد وخصوصا ما هو موجود في باطن الأرض كالمياه مثلا.

وإلى جانب هذه المحددات لا يمكن تجاهل المحددات الأمنية التي تلعب دورا في تحديد ماهية الدولة الفلسطينية، وهنا تبرز مسألة في غاية الأهمية لا بد أن تؤخذ في الإعتبار، فقيام الدولة الفلسطينية يعني تحول إسرائيل إلى حد كبير بلا حدود برية أشبه بالدولة المنغلقة وهذا ما سترفضه إسرائيل بكل الأشكال. كل محدد من هذه المحددات يحتاج إلى المزيد من التفصيل، لكنها كلها تشكل قواسم مشتركة، أو محددات تلاقي بين إسرائيل الدولة وفلسطين الدولة في حال قيامها او البحث عن صيغة غير تقليدية للدولة الفلسطينية.

وفي مقابل هذه المحددات هناك محددات نافرة أو متباعدة لا يمكن أن تدفع إلى الإلتقاء تحت بؤرة سياسية واحدة كالدولة الواحدة، والمقصود هنا المحددات القيمية والتصورات السياسية والأيدولوجية، والمعتقدات الدينية, والخصائص البشرية او السيكولوجية والنفسية لكل من الفلسطينيين واليهود, فنحن هنا لسنا أمام شعبين متقاربين في هذا السياق، بل التنافر والتصادم أقوى، وتدفعان للتقوقع حول كينونات سياسية تحمي هذا التناقض والتمايز. وهذه المحددات تلعب دورا في الحفاظ على حل الدولتين الذي رغم صعوبته. يبقى الحل الأكثر واقعية، لكن ينبغي ان يوضع في سياقاته المكانية والسكانية.

والسؤال المهم هنا: كيف يمكن الحديث عن هذه الحلول، والتسويات السياسية والشعب الفلسطيني يعاني من الاحتلال ومهانة الإعتقال اليومي، والقتل المستمر؟ لا يمكن لشعب تحت الاحتلال وتمس كرامته، الوطنية ان يطلب منه قبول التعايش والتسوية والتنازل, لذلك فإن الخطوة الأولى الضرورية توسيع مجال الحقوق المدنية والسياسية التي يمارسها الشعب الفلسطيني، وان يرفع عنه الإحساس بذل ومهانة الاحتلال، ولا شك أن هذه المقاربة ضرورية، وينبغي أن تتوازى مع الحديث عن حل الدولتين. لأن الفرضية الأساسية لحل الدولتين أنه في حال قيام الدولة الفلسطينية فلا بد من التفكير في مرحلة ما بعد الدولة، والقصد من ذلك ان المحددات الجغرافية والسكانية والأمنية، والتداخل غير المسبوق في أي نموذج للدولة، دولتان تعيشان على نفس الأرض، والأرض غير قابلة للتجزئة، وحتى لو جزّئت، يصعب تجزئة مواردها ومكوناتها الداخلية.

لكن يبقى عبء الصراع والأيدولوجيا تلعبان دورا مدمرا في أي علاقات مستقبلية، والنزاعات يفرض التفكير المستقبلي في العلاقات بين الدولتين، وهذا يحتاج الى توطئة أساسية منقيم القبول والتعايش الى تحل محل قيم الكراهية والعنف والنبذ والثأر، والقتل.

ولو بحثنا في أسباب الصراع وأسباب التعايش سنجد حلقات ومناطق مشتركة على المعنيين بإدارة هذا الصراع وحله البحث فيها.

والخيارات محدودة فإما صراع دائم غير محتمل، وإما صيغ للتعايش المشترك تؤسس للمستقبل.

drnagishurrab@gmail.com