القاهرة: ندوة بعنوان "صورة القدس في الآداب العالمية"

القاهرة - "القدس" دوت كوم - خالد أحمد - نظمت لجنة الدراسات الأدبية واللغوية بالمجلس الأعلى للثقافة، ندوة بعنوان "صورة القدس في الآداب العالمية" شارك في الندوة عدداً من المتخصصين في اللغات الأجنبية المختلفة، وأدارها د. كرمة سامي مقرر لجنة الدراسات الأدبية.

بداية أشارت د. كرمة سامي- أستاذ الأدب الانجليزي بكلية الألسن، إلى القرار الجائر للرئيس الأمريكي دونالد ترامب في6/12/2017 بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس مهد الديانات الثلاث، وهو بمثابة وعد الكيان الصهيوني بالإعتراف بالقدس عاصمة أبدية لإسرائيل، لافتة إلى جلسة الأمم المتحدة في 21/121/2017 والتصويت بأغلبية ساحقة مقابل 9 أصوات فقط مما جدد الأمل والثقة في الجنس البشري والتزامه بالأخلاق التي فطره الله عليها، مطالبة بالتوقف أمام كل من صوت للقرار بنعم أولا أوامتنع عن التصويت أوامتنع عن حضور الجلسة وأن علينا تحليل تفاصيل قرارالتصويت معرفياً وثقافيا، داعية إلى أن تكون هذه الندوة بداية لندوات أخرى لنشر الوعي المعرفي والثقافي والتاريخي والاخلاقي بالقضية الفلسطينية التي لا تخص الأمة العربية وحدها بل كل الشعوب المحبة للحق والخير والجمال وعندئذ سوف نرسم طريق عودتنا إلى القدس.

لفت د. أحمد درويش- أستاذ الأدب العربي بجامعة القاهرة، إلى اختيار شهر رجب الذي حدثت فيه الإسراء والمعراج سبحانه وتعالى الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام للمسجد الأقصى، وأحد الزعف، وعيد القيامة، وأسبوع الألام الذي يقدسه المسيحيون، وكلها تدور حول القدس التي تتجه مشاعرنا جميعا نحوها.

أشارت د. رانيا فتحي- كلية الآداب جامعة القاهرة، إلى ان الكتابة عن فلسطين تكاد تشكل اتجاهاً قوياً في المشهد الثقافي الفرنسي المعاصر الذي يتابع عن كثب تطورات القضية الفلسطينية عبر وسائل الإعلام المختلفة، ومن خلال حركة ترجمة واسعة لشعر محمود درويش، وروايات إلياس خوري، والأدب الفلسطيني والعربي بصفة عامة والتي تكون فيها فلسطين حاضرة بشكل أو بآخر، مؤكدة أن القضية الفلسطينية فرضت نفسها على الساحة الأدبية الفرنسية من خلال إنتاج روائي مهم حول الفلسطينيين منه على سبيل المثال رواية (نجمة شاردة) عام 1992، للكاتب جون ماري جوستاف الحاصل على جائزة نوبل للآداب عام 2008، ومن المعروف ان مأساة اليهود موضوع شائك في فرنسا ويكاد أن يكون من المحرمات، فهى الجرح الغائر الوحيد في تاريخ البشرية وأمامه تصغر كل المصائب، وهى المأساة التي تستحق وحدها التضامن والتي تكتب حولها الشهادات بل وتصاغ القوانين التي تجرم كل من يشك في أرقام الضحايا، وعلى الرغم من ذلك فقد جروء جوستاف على طرق هذا الموضوع والقول بأن الفلسطينيين أيضاً تكبدوا ويلات التاريخ، وان ظلت شهاداتهم غائبة.

أحداث الرواية تدور في أربعينيات القرن العشرين، وهى تساوي بين الإقتلاع الفلسطيني ومأساة اليهود أثناء الحرب العالمية الثانية، من خلال شخصية "إستر" اليهودية التي رفضت البقاء في القدس، وقررت العودة إلى فرنسا تضامناً مع "نجمة " الفلسطينية التي لم تلتقيها سوى مرة واحدة عام 1948، توقف خلالها الزمن ليسجل لحظة خروج "نجمة" من فلسطين، ودخول "إستر" إليها، لحظة تلاقت فيها عيون الفتاتين وتبادلا فيها خيوط المأساة.

كتاب (سلام فلسطين) نصاً آخر رحلة إلى أرض الانسانية، مشاهد سجلها كاتب ومصور ورسام – فيرونيك ماسينو، برونو بيلورجيه، مارك ابل- أثناء رحلة قاموا بها إلى مدن فلسطين عام 2009، وهوكتاب شديد التميز تلتحم فيها الصورة مع النص لنقل حكاية فلسطين والفلسطينيين للقارىء الفرنسي، وقد حصد العديد من الجوائز ونال نجاحاً كبيراً واقبال خاصة من الشباب.

أما النص الأيقونة في تاريخ الأدب الفرنسي (أسير عاشق) للكاتب جون جينيه ترجمة كاظم جهاد، ذلك أنه يضع القضية الفلسطينية في صلب إشكالية مهمة، فكرة أدب الشهادة وشهادة الأدب التي ظلت مرتبطة في المخيلة الفرنسية والأوروبية بشكل عام بشهادات اليهود حول معسكرات الاعتقال النازي، بل وكاد أدب الشهادة أن يقتصر على روايات اليهود التي استثمرت فيما بعد كما هومعروف لإقامة دولة إسرائيل وتوطيد أركان الكيان الصهيوني.

في عام 1983 شرع "جينيه" في كتابه مذكراته عن تلك الفترة التي قضاها برفقة المقاتلين الفلسطينيين في الأردن بداية السبعينيات، ما بين عامي 1970- 1983، مضت نحو13 عاماً من الانتظار لهذا الكتاب الذي تتشابك فيه خيوط الشهادة التاريخية مع خيوط السيرة الذاتية، وتتقاطع فيه أحداث أيلول الأسود، ومذابح صبرا وشاتيلا مع محطات نضال كاتب عاش التهميش في أشد صوره، وجاب الأرض طولاً وعرضاً للتضامن مع القضايا العادلة، فذهب إلى الأردن وبيروت وسوريا ومصر على خطى الثورة الفلسطينية وكان الانصهار مع القضية الفلسطينية، وجاء كتاب (أسير عاشق) الذي يتحاور فيه الكاتب مع قارئه حول مفهوم التاريخ والذاكرة والكتابة اللعبة الاعلامية والحقيقة والخيال، وكلها مفاهيم ترتيط بمحاور أدب الشهادة ومحاولة الاجابة على السؤال الهام كيف يشهد الأدب على واقع يحاول التاريخ طمسه، ما دافع الشهادة، ولماذا نكتب عن فلسطين، وقد قام المؤلف بنقل ما جمعه من روايات عن الأرض والبيت والمقاومة، والكثير من الحوارات التي دارت أمامه أوشارك فيها، وأحداث عاشها وأخرى لم يشهدها بنفسه، وكان حريصاً على ذكر مصدرها، وعلى تقييمها من منظور المصداقية، كل ذلك كان مصحوباً بملاحظات عديدة حول طريقة النطق ونغمة الصوت وايقاع الكلام.

ان دافع خطاب الشهادة في (أسير عاشق) يتخطى غاية قول الحقيقة فيتحول هو ذاته إلى حقيقة منزهة عن الغرض ومنها يستقي مبرر وجوده، وتكتسب الشهادة عن فلسطين قوتها من التذبذب شديد الإنسانية والواقعية بين الشك واليقين، بين السؤال والجواب، بين المحو والكتابة، وتفضح من هذا المنطلق الشهادات الإسرائيلية الجامدة الزائفة التي تدعي امتلاكها الحقيقة المطلقة، واعتمادها على ذاكرة بلا ثغرات، وكتابة بلا تناقضات، تلك التي تفرض حقيقتها ومصداقيتها المزعومة بسلطة القوة والتي تزخر بها الساحة الثقافية الأوروبية.

بوابة السماء

تناولت د. سهيمة سليم-أستاذ ألسن بجامعة عين شمس، القدس الأرض والرمز في الأدب الإيطالي الذي حظيت فيه المدينة المقدسة باهتمام الأدباء والشعراء والرحالة الإيطاليين على مر التاريخ، نظراً إلى قداستها ومكانتها التاريخية والدينية. ففي عصر النهضة نظم أحد شعراء إيطاليا العظماء الشاعر توركواتو تاسسو، رائعته الفنية (تحرير القدس) التي نشرت لأول مرة 1581 وهى ملحمة بطولية تاريخية تتغنى بالشرف والبطولة والمجد، كتبها على هيئة مقاطع شعرية يتألف كل منها من ثمانية أبيات، وقد اشتهرت بجمال لغتها وعمق عباراتها وتوخي الدقة التاريخية، تدور القصيدة حول أولى الحملات الصليبية التي انطلقت في الفترة ما بين عامي 1096- 1099، وتحديداً العام الأخير لوجود الصليبيين في الأراضي المقدسة التي أدت إلى حصار وغزو القدس.

في بداية القصيدة يظهر الملك جبريل للفارس جوفريدو ليبلغه الأمر الإلهي بأن يقود العمليات العسكرية من أجل تحرير القدس والسيطرة عليها، وبالفعل قاد جوفريدو المعارك التي انتهت بانتصار الصليبيين والاستيلاء على القدس.

وقد انقسمت شخصيات القصيدة إلى مجموعتين جيوش المسلمين والصليبيين الذين كانوا في حالة من الارتباك والاضطراب فيما عدا الفارس جوفريدو الذى كان همه جمع وتوحيد الفرسان المسيحيين وقيادتهم لتحرير القدس، في حين أن جيوش المسلمين كانوا يتميزون بالشجاعة والإقدام ويكرسون جهدهم للدفاع عن القدس.

أما القدس في الملحمة فهى المجال الذي تجري فيه الأحداث، هى أرض النضال بين الفريقين، ولكنها في الوقت نفسه تظهر بقداستها وتاريخها المجيد، وكان العنوان الذي اختاره المؤلف (تحرير القدس) يتضح من خلاله هدف الشاعر من الملحمة وهو الرغبة في تحرير المكان وقداسته.

تضيف سليم، أن مدينة القدس تظهر متلئلئة في يوميات الكاتبة والصحافية ماتيلدا سيراو في (بلد المسيح) والذي وصفت فيه رحلتها إلى القدس بين فصلي الربيع والخريف عام 1893، عندما كانت الأمبراطورية العثمانية على وشك الانهيار، واليهودية في أوروبا الوسطى تحت نير القهر والبحث عن وسائل جديدة للبقاء على قيد الحياة، والكنيسة الكاثوليكية مستمرة في ازدراء اليهود. وتصطحب المؤلفة القارىء ليستكشف معها "روح تلك الأرض المقدسة التى رأت السيد المسيح وسمعت صوته" ذلك المكان بظواهره المادية أسوار مدينة القدس وأبوابها ورائحتها وتاريخها كل شىء فيها يعكس أصالة المدينة، إنها صورة الفردوس في الأرض، ولكنها ترتدي ملابس الحداد، البيوت والشوارع الضيقة التي تصعد وتهبط بين التلال، والأزقة والأحياء والحانات والمتاجر المظلمة، ومعبد سليمان وجامع عمرو الذي يبدو وكأنه قطعة فنية خرجت في التو من بين أيدي أعظم الفنانين.

وتتسأل المؤلفة والصحافية ماتيلدا سيراو من هم سكان القدس من بين الذين يعيشون بين جدرانها المقدسة، من منهم الذي يستحق أن يطلق عليه هذا المسمى الشريف، بالتاكيد ليس اليهود الذين يشكلون أكثر من نصف سكان القدس، هؤلاء الذين كانوا مشتتين لا أمة لهم ولا شعب، أتوا من كل بقاع الأرض ويعيشون في خوف دائم لأنهم يرون في الآخر عدواً لهم، ويشعرون بالأضطهاد، ويعيشون في منازل صغيرة مظلمة وهى أسوأ منازل القدس. وعلى الرغم من سيطرتهم على التجارة الرئيسية في القدس فإنهم لايملكون الشجاعة ولاالسعادة، ضعفاء عجزة..متطفلون..يسلبون هواء وشمس المدينة المقدسة.

ولا الأتراك يمكن أن يكونوا شعب القدس، هم حراس كنيسة القيامة، يقضون يومهم مستلقين على مسطبة مغطاة بالسجاد، يدخنون، لا يتحدثون ولا ينظرون إلى المصلين، ولكنهم يبجلون السيد المسيح والسيدة مريم.

ولا يمكن للمسيحيين أن يكونوا شعب القدس فهم يعانون من الإنقسام والصراعات، ولا حتى العرب هم شعب القدس، هؤلاء البدو المسلحون الذين يأتون من صحراء أريحا والجزيرة العربية ومن السهول المجهولة والجبال التي يتعذر الوصول إليها، أتوا إلى القدس وكل همهم البيع والشراء ولكنهم لم يروها ولم يعرفوها ولم يحبوها بل سارعوا إلى الفرار منها وتركوها.

وترى ماتيلدا سيراو أن المكان المقدس الذي عظمه الله ومجده ليس له شعب، وربما لن يكون له شعب، لافتة إلى الجانب الروحاني للمدينة المقدسة إنه منذ ألفي عام مرت على القدس أحداث نهب وسرقة ودمار، واشتعلت النيران في جدرانها وقتل سكانها، كما حكمها طغاة مستبدون، ولكن بقيت روح القدس دون تغيير أوتبديل، سماء القدس الصافية وشمسها الساطعة وهواؤها النقي وطبيعتها الساحرة، أنها نفس روح القدس قبل عشرين قرناً، أنها روح خالدة غير قابلة للتغيير لأنها مدينة السلام. وتصف سيراو في النهاية لحظات الرحيل والوداع، فقد وداعت القدس بدموع عينيها وصراخ قلبها، فربما تكون هى الزيارة الأخيرة التي لن تتكرر، ستموت يوماً ما وستبقى القدس دائماً على قيد الحياة، وراحت تحتضن الأعمدة وتقبل درج المذبح كما لو كانت تودع آدمياً بعد أن راودها احساس أنها لن ترى القدس مرة أخرى.

تشير د. سهيمة سليم، إلى كتاب (نحو القدس) الذي صدر في 2002، للكاردينال كارلو ماريا مارتيني الذي سرد فيه تأملاته عن القدس الرمز، والقدس الواقع، بعد أن ترك مارتيني أبرشيه ميلانو بعد أكثر من عشرين عاماً، واختار القدس كوجهة نهائية لمسيرة حياته، وهواختيار نضج من خلال مسار معقد روحاني وثقافي ووجودي.

وتعود رغبة مارتيني في قضاء آخر أيام حياته في القدس إلى طفولته، فمنذ العاشرة من عمره ينتابه شعور بالحنين إلى القدس، ومنذ ذلك الوقت وهو ينتظر اللحظة المناسبة في حياته ليتجه نحوها..نحو الأصالة والقداسة والخلود. وكان أول لقاء له مع القدس في عام 1959 خلال رحلة دراسية قام بها بعيون عالم الآثار.

ويتجه الكاردينال نحو مدينة القدس الخالدة يعلن لها عن حبه في كل صفحة من صفحات الكتاب الذي اهتم فيه بإبراز قيمة القدس ومكانتها كمدينة مقدسة ومقصد لكل انسان، ومقصده هو ليقضي فيها الأيام الأخيرة من حياته ويستقبل فيها الموت، ويرى الكاتب أن هناك رغبة شديدة تدفع الانسان إلى القدس مدينة الأحلام، وهى مقصد الحجاج الذين يذهبون إليها في الوقت الراهن على الرغم من صورتها الممزقة أمام العالم المسيحي لسبب غير معلوم، ويتساءل: "لماذا هذه الأرض لا تعرف السلام؟ وإلى متى؟ فالسلام في القدس هو رمز السلام في العالم، ومعاناة القدس رمز معاناة الانسانية جمعاء.." إنه يذهب إلى القدس وهو يعلم أن الأمور تزداد سوء هناك، ففي القدس دماء ورعب وموت، ويقول الكاردينال: " نحن جميعاً في المدينة المقدسة معرضون أن نفقد كل شىء، الهدوء والصفاء والصحة وسعادة العيش، وربما لهذا السبب تدفعنا أرواحنا إليها هناك حيث كل شىء بدأ.." فهو لديه قناعة تامة أنه ولد بالقدس بل نحن جميعاً ولدنا "هناك". أن المدينة بالنسبة له أمل ينتظره بشغف وحب ولا يعنيه ما يمكن أن يحدث له فيها بل ما يعنيه هو أن ينهي رحلة الحياة على أرض السلام ويدفن بها ويشكر الله على نعمته.

كما لفتت سليم إلى أحداث الثلاثية البوليسية (حامي المياه) 2002 و(طائر النورس الملحي) 2004 و(ذهب موسى) 2006 للكاتب والصحفي الإيطالي فرانكو سكاليا، والتي تدور في مدينة القدس، وبطلها الراهب الفرنشيسكاني الأب ماتيو الذي يعمل أيضاً كعالم آثار في الأرض المقدسة، وتتناول الروايات الثلاث الصراع الأبدي بين الخير والشر ليعيش القارىء بين المؤامرات والأسرار والتقلبات والمصالح السياسية والإقتصادية، ومن خلال هذه القصص تظهر عدة قضايا أهمها: صعوبة الحوار بين الفلسطينيين والاسرائيليين ، وقد نجح سكاليا في عرض الأسباب والدوافع كل منهما دون انحياز لأحد الطرفين، كما تطرق الكاتب إلى ما أطلق عليه أعمال التخريب التي يقوم بها أطفال القدس ضد الجيش الإسرائيلي، وعند كشف الحقائق وحل الألغاز غالباً ما يكتشف تورط المخابرات الإسرائيلية وإرهابيين وشيوخ عرب في تلك الجرائم، ومن بين الإفكار التي اقترحها المؤلف من خلال البطل اتخاذ القدس كمقر رئيسي لمنظمة الأمم المتحدة لحل القضية وتحقيق السلام، وفكرة تحويل القدس إلى عاصمة السلام تحت رعاية الأديان الثلاثة اليهودية والمسيحية والإسلام، وأملا في تعزيز المصالحة بين الإسرائيليين والفلسطينيين.

أشارت د.فاتن مرسي- أستاذ الأدب الإنجليزي بجامعة عين شمس، إلى صورة القدس في أدب الرحلات الإنجليزي والأمريكي قبل النكبة، وارتباط عام 1917 بالذاكرة الجمعية العربية بحدثين مهمين الأول اعلان وعد بلفور2/11 وعد اليهود بانشاء وطن قومي لهم في فلسطين، الحدث الثاني هودخول القوات البريطانية بقيادة الجنرال أدموند مدينة القدس 9/11 من نفس العام، مما يكشف عن الواقع الاستعماري لاحتلال القدس والذي أدى إلى احتلال فلسطين التاريخية حتى اليومن مؤكدة أن هذين الحدثين لم يكن ممكناً أن يصبحا أمراً واقعاً دون التمهيد لهما تاريخياً وثقافياً وأدبياً منذ انتشار فكرة الدولة القومية في بريطانيا في القرن 16 وبداية المطامع التوسعية لهذه القوى الإستعمارية الجديدة حتى وصلت إلى ذروتها في القرن19.

أكدت مرسي على تبني رؤية ادوار سعيد الذي رأى في كتابات الرحالة الأوربيين حول الشرق الأوسط كان لها دور محدد وكانت أحدى أدوات الامبريالية، وأن أغلب العلماء الغربيين سواء البريطانيين أوالفرنسيين والسياسيين والرحالة الذين كتبوا عن الشرق خلال القرن 18 حتى القرن 20، كانوا من المستشرقيين الذين قاموا بدور "الوكلاء الإمبرياليين" أمثال تي بي لورانس، والتر سكوت، فلوبير، لامارتين، لورد كورزون وغيرهم، مثل هذه النماذج التي تجمع ما بين رجال الدولة وكتاب الأدب أوالدبلوماسيين ينتمي جميعهم للقرن 19 توحدهم رؤية شبه متطابقة عبر عنها لورد كورزون بوضوح عندما قرر أن العلاقة بين بريطانيا والشرق هى "علاقة امتلاك سيد مستعمركفء لأرض شاسعة".

لفتت مرسي إلى أن السفر إلى الشرق وتحديداً فلسطين أو القدس كان أمراً منتشراً حتى ما قبل القرن 19، ويرى برنارد لويس ان المسيحيين واليهود الأوروبييين كانوا يحرصون على زيارة الأماكن المقدسة أي الحج كنوع من الإلتزام الأخلاقي والديني، ولكنها لم تكن بأهمية الحج عند المسلمين كونه من أركان الدين، فضلاً عن سفر المبشرين بالديانة المسيحية وخاصة أبان حركة الإصلاح في أوروبا والتي قامت على أثرها العديد من البعثات التبشيرية الأوروبية لتجنيد الكنائس الشرقية لأعضاء المذهب البروتستانتي الجديد، مشيرة إلى ان اهتمام أوروبا المسيحية بالشرق الأوسط وثقافته وحضارته جاءت مع بداية الحروب الصليبية، وكان نداء الدين هو المحرك الأساسي للرحلات التي قام بها الحجاج البريطانيون، حيث تقول المؤرخة والكاتبة الأمريكية المعروفة باربرا تاكمان، ان مؤمنون مسيحيون ظلوا لقرون يبحثون عن الكأس المقدسة التي شرب منها المسيح في العشاء الأخير، "وقد ظلت القدس لمسيحي القرون الوسطى الأرض التي وطأتها أقدام المسيح المخلص وليس الأرض الموعودة".

تضيف د.فاتن مرسي، ان الاهتمام بالقدس والتحول الذي حدث في صورتها حتى القرن 17 كان روحياً ودينياً في المقام الأول، ولكنه مهد الطريق للكتابات التي ظهرت في القرن 19 من أبرزالروائيين البريطانيين اللورد شافيزي، وكتاب السياسي البريطاني بنجامين دزرائيلي(الصليبية الجديدة) التي عملت في شقيها مشروعاً استعمارياً واضح المعالم وهو بناء (القدس الجديدة) اليهودية، الأمر الذي يقتضي محوالقدس العربية والإسلامية، كما كتب إيثان بار يوسف عن التحول الذي حدث في صورة القدس من وصفها في المخيلة المسيحية بالقدس الربانية أوالروحية الأصيلة إلى القدس المادية أوالجديدة وصولاً إلى حركة الاصلاح التي وصلت إلى بريطانيا مع انتشار مذهب البروتستانت.

لفتت مرسي إلى الاختلاف الجوهري بين الكتابات الأمريكية ونظيرتها البريطانية، رغم وجود تماثل في الأفكار والصور البلاغية التي انطوت عليها كتب الرحلات إلا أن هناك اختلافات تاريخية وسياسية وأيديولوجية وثقافية بين الإنتاج البريطاني والأمريكي، مشيرة إلى تأكيد باربرا داكمان على أنه في الحالة الأمريكية لم يكن هناك أي تحول في النظرة إلى القدس الروحية أوالسماوية إلى القدس الواقعية المادية كما حدث في الحالة البريطانية، حيث تؤكد داكمان أنه منذ بداية تأسيس أمريكا كانت كلمة الأرض المقدسة وصهيون دوماً بالنسبة للأمريكان تشير إلى أمريكا نفسها.

وترصد مرسي ردود فعل الرحالة عند زيارتهم الأولى للقدس وشعورهم بخيبة الأمل العظمى عندما أدركوا أن القدس الحقيقية التي طالما حلموا بها تم طمسها واهمالها على أيدي العرب المسلمين، ليس ذلك فحسب لكنهم رأوا أن من واجبهم الحضاري والديني استعادتها من من أيدي هؤلاء المغتصبين، من أمثال هؤلاء الرحالة جورج سانديز دى الذي نادى بضرورة استرداد الأرض المقدسة، وباربرا داكمان العلمانية التي رفعت شعار" وطن بلا شعب لشعب بلا وطن" كما عبراللورد شافنسيري صراحة عن هذه الرغبة أوالتوصية في رسالته بإعادة اليهود إلى فلسطين.

كما لفتت مرسي أيضاً إلى الروائية البريطانية جورج اليوت من بداية كتاباتها تعتبر تجسيداً للمشروع الأمبريالي البريطاني والتي تبنت فكرة اعادة صياغة الواقع الجغرافي داخل وخارج انجلترا، وهناك تشارلز ديكنز الذى عمد إلى محو الآثار النفسية والإجتماعية التي خلفتها الصورة النمطية لليهودي المرابي المستغل لحاجة الضعفاء في روايته الشهيرة (أوليفر تويست) وقبلها (دايفيد كوبر فيلد) محاولة التطهير من عقدة الذنب، ومحاولة ودمج اليهود في المجتمع البريطاني بعد تاريخ من التهميش والاضطهاد، وقد قام بتصويربطل روايته يوريا هيمب كضحية من العنصرية التي مورست عليه وعلى غيره من اليهود، ويرى ديكنز أن الخلاص من هذا الظلم العنصري الكامن في الشخصية الإنجليزية تجاه الآخر اليهودي هو توطينهم في أرض فلسطين.

أخيراً أكدت د.فاتن مرسي، ان البحث عن "القدس الحقيقية" الذي تنشده الروايات البريطانية من ناحية والتجاهل التام للوجود العربي الإسلامي والواقع السكانى العربي للمدينة بل تشويهه كما جاء في كتابات العديد من الرحل إلى هذه البقعة لاسيما في القرن 19تشير بوضوح إلى الأهداف والمطامع الامبريالية البريطانية التي تبلورت في القرن 19، ان الصور والأفكار التي شكلت الخطاب البريطاني والأمريكية عن القدس وتشبعها بالصهيونية الغربية تميزها عن بقية نماذج الخطاب الاستشراقي، وهي أيضاً مفتاح لفهم ما حدث مع بداية القرن 20 وتحديداً قرار"ترامب" الاخير.

زهرة المدائن

أشارت د.نادية جمال الدين- أستاذ الأدب الفرنسي، في ورقتها القدس في الأدب الأسباني، إلى أن أدب الرحلات كان من أقدم من تناول موضوع القدس بالوصف الدقيق، لقد احتلت القدس أهمية لأن بها حائط المبكى الذي يعتقد اليهود انه ما تبقى من هيكل النبي سليمان ، وهومن أكثر المواقع قداسة لدى اليهودى، ولكونها مهد السيد المسيح، وتحتضن المسجد الأقصى أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين إسلامياً وعاصمة فلسطين عربياً وسياسياً، وقد انعكست هذه الأهمية في الآداب العالمية ومنها الآداب الأسبانية. ونظراً لأن القدس تمثل هى وروما قبلة للحج بالنسبة للمسيحيين الأسبان منذ القرن 4 والذي ازدات وتيرته في القرنين 8 و9، فقد انعكست رحلات الحج في شعر العصور الوسطى عند الشعراء المتجولين، وهناك قصائد خصصت للقدس مليئة بالعاطفة الدينية منهم يوسف بن تشيكلينيا صاحب قصيدة (القدس الحبيبة) من بين المساهمات الادبية عن القدس (أواه يا قدس) التي تعبر عن الألم لضياع المدينة المقدسة في منتصف القرن 13 بعد سقوطها في أيدي المسلمين.

لفتت جمال الدين إلى كتاب (القدس والأراضي المقدسة) للكاتب الغواتيمالي الريالي غوميث كاريو، الذي نشر للمرة الاولى في باريس 1914، ثم في مدريد 1919، وكانت مقدمته 1923 تجمع انطباعات العديد من الكتاب الفرنسيين، وقد قامت وزارة التربية والتعليم في غوتيمالا بنشره عام 1965.

في كتاب القدس والأراضي المقدسة يتوقف الزمن ليتمكن القارىء من الولوج إلى عالم خاص جداً مرتبط بالتاريخ والأساطير والأديان، وهوكتاب يدل على عبقرية مؤلفه غوميت الذي قام بكتابته بعد ان زار عدة مدن بالشرق الأوسط لبنان ودمشق وطبريا والناصرة والقدس وأريحا وبيت لحم وهى أماكن لابد للحاج من زيارتها، وقد قام المؤلف بوصف شوارع المدينة المقدسة ومشاهد الحياة الشرقية حيث تختلط رائحة القهوة مع رائحة التبغ التركي في محيط بوابة يافا، أما اطلال المدينة فهى تشي بماضي من المجد والتضحيات وبأنها مهد للانبياء والقديسين.

وتؤكد جمال الدين إن خلود القدس يمثل جزءاً من الصورة النمطية التي شكلت الوعي الغربي للشرق، وإن الشرقيين بشكل عام واليهود خاصة كانواى دائماً وعلى مر العصور يتعلقون بشكل استثنائي بطقوسهم وعاداتهم وتقاليدهم وأزياؤهم وولعهم الشديد، كل شىء يبقى بينهم غير قابل للتغيير على الرغم من التطورات والثورات.