نتائج التعداد العام... تشخيص للحاضر ورؤيا للمستقبل

بقلم: سامر سلامه/ وكيل وزارة العمل

أصدر الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني النتائج الأولية للتعداد العام للسكان والمساكن والمنشآت 2017. وهذا التعداد هو الثالث من نوعه في فلسطين منذ قيام السلطة الوطنية الفلسطينية ليضيف إلى المخزون الإحصائي الفلسطينية ثروة إضافية من البيانات والمعلومات عن كافة مناحي الحياة للشعب الفلسطيني لتشكل في مجملها كنزا معلوماتيا يساعد الباحثين وواضعي السياسات ومتخذي القرارات في كافة المؤسسات الأكاديمية والبحثية والحكومية والأهلية والإقتصادية على رسم رؤيا واضحة للمستقبل ووضع خطط متينة للبرامج التنمويه المختلفة .

وإنني هنا إذ أثمن الدور العظيم الذي لعبه الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني والحكومة الفلسطينية في إنجاز هذا التعداد فإن التحدي يبقى في كيفية الإستفادة من هذا الكنز الكبير نحو وضع خطط وبرامج مبنية على أسس معلوماتية حقيقية، وفي هذا المقال سأستعرض أهم المؤشرات الإحصائية التي تم نشرها كنتائج لهذا التعداد العام مع تحليل بسيط لهذه النتائج، على أمل أن يتم التعمق في تحليل النتائج لتعظيم الإستفادة منها.

وبحسب النتائج الأولية للتعداد فقد بلغ عدد سكان فلسطين (الضفة وغزه والقدس الشرقية) أربعة ملايين وسبعمئة وواحد وثمانون ألفا نسمه (4,780,978)، 60% منهم يقطنون في الضفة والقدس، أما توزيع السكان حسب الفئة العمرية فإن النتائج قد أشارت إلى أن 47% من مجموع السكان هم أطفال أقل من 17 سنه و24% هم من فئة الشباب من عمر 18-29 سنه، أما كبار السن من الفئة العمرية 60 سنه فأكثر فإن نسبتهم تقارب الـ 5% فقط. أما توزيع السكان حسب المحافظات فإن المحافظة التي تحظى بأكبر عدد من السكان هي محافظة الخليل (700 ألف نسمه) وثانيا شمال قطاع غزة (369 ألف نسمه)، أما المحافظة الأقل عدداً من السكان فهي أريحا والأغوار (50 ألف نسمه فقط). أما فيما يتعلق ببعض صفات السكان فإن النتائج قد أشارت إلى أن 6% تقريبا من مجموع السكان هم من ذوي الإعاقة، وإن نسبة المسيحيين الفلسطينيين قد تراجعت إلى 1% فقط، وأن نسبة الأمية قد إنخفضت لتلامس 3%. أما المؤشرات الإقتصادية المتعلقة بالحالة العملية للشعب الفلسطيني فإن نتائج التعداد قد أشارت إلى أن نسبة البطالة الإجمالية في البلاد قد وصلت إلى 27.2%، 13.2% في الضفة الغربية و48.2% في غزه، أما البطالة في صفوف النساء فتصل إلى 40.1% وفي أوساط الرجال 24.4%. وإن مشاركة المراة في سوق العمل فلا تتعدى 19% فقط.

أما مؤشرات المباني فإن النتائج الأولية للتعداد قد أشارت أنه يوجد في فلسطين 627,488 مبنى تضم 1,195,488 مسكن، ومن هذه المساكن 100 ألف تقريبا إما مغلق أو خالي. أما المنشآت الإقتصادية فإنها قد وصلت إلى 158,573 منشأة عاملة في فلسطين، معظم هذه المنشآت في قطاعي التجارة (81.2 ألف منشأة) والخدمات (55.7 ألف منشأة). وقد أشارت النتائج أيضا الى أن معظم هذه المنشآت هي صغيرة أو متناهية الصغر إذ تصل نسبة المنشآت التي توظف أقل من 10 أشخاص إلى 96% من إجمالي المنشآت.

فماذا تعني لنا هذه الأرقام؟؟

أولا إن الزيادة السكانية المستمرة وإن كانت بنسب متباطئة تعطي فلسطين أفضلية أو ميزه ديمغرافية في المنطقة يمكن الإستفادة منها في تثبيت حقوق الشعب الفلسطيني أولا في أرضه ويعطي الإقتصاد الفلسطيني أيضا الدافعية للنمو والتطور وخاصة إذا تم توفير متطلبات النمو من الخدمات التعليمية والصحية ليتمكن الشعب الفلسطيني من شق طريقه نحو الإبداع والتطور والنمو. والملاحظه الثانية المتعلقة بخصائص المجتمع الفلسطيني فهي أن المجتمع الفلسطيني هو مجتمع فتي ولكن هذه الصفة تعتبر سلاح ذو حدين. الأول المتمثل فيما إذا تم تأهيل وتعليم وتدريب الأجيال الشابة بشكل جيد فإن هذه الفئه ستقدم ما هو أفضل للمجتمع والإقتصاد. أما في الحالة المعاكسه فإن هذه الفئة ستشكل عبئاً على المجتمع وبالتالي فإن المجتمع والإقتصاد سيتراجعان وعلى ذلك فإننا أمام خيار واحد فقط والمتمثل في زيادة الإستثمار في الأطفال والشباب ليصبحوا عاملا منتجا في المجتمع وليس عالةً عليه. أما فيما يتعلق بالنسبة المرتفعة للأطفال فإن ذلك يعتبر جيدا على المدى المتوسط وسيء على المدى القصير، فهذه الفئة غير المنتجة بحاجة إلى جهود مضاعفة وإستثمارات ضخمة لتمكينها من الإنتقال إلى مرحلة الشباب والإنتاج بكل سلاسه وسلام. أما مؤشر السكان حسب المحافظات فإن الخطر يكمن في محافظة أريحا والأغوار إذ تعتبر فارغة نسبيا من السكان الأمر الذي سيفتح قريحة الإحتلال إلى مزيد من الإستيطان في تلك المنطقة وهذا يتطلب منا أن نعمل على تشجيع السكن في الأغوار من خلال تقديم عدد من التسهيلات والدعم للراغبين في العيش أو الإستثمار هناك. أما الخصائص الأخرى للسكان فإن نسبة الإعاقة تعتبر مرتفعة جدا وهذه النسبة ناتجة عن آثار الحرب والعدوان وخاصة على غزه، وهذا يتطلب منا مزيدا من العمل مع هذه الفئة لتمكينها ودمجها في جميع مناحي الحياة. أما المسيحيين فإن تناقص أعدادهم يعتبر مؤشراً خطيراً جداً ويعود السبب بإعتقادي إلى صعوبات الحياة وفقدان الأمل بالمستقبل الناجم عن سياسات وممارسات الإحتلال إتجاههم إذ إستمرار تناقص أعدادهم سيحرم المجتمع الفلسطيني من فسيفسائه الجميله ومساهمات المسيحيين الثقافية والعلمية والإقتصادية. وإن مسؤولية تعزيز صمود المسيحيين على أرضهم تقع على عاتق الجميع وليس على عاتق الكنائس وحدها إذا يجب معالجة هذا الموضوع في سياقه الوطني دائما وليس في سياقه الديني. أما مؤشر الأمية فهو الأفضل بين معظم المؤشرات إذ تعتبر فلسطين خالية من الأمية وهذا يعود إلى سياسات الحكومة الناجعة فيما يتعلق بتأمين حق التعليم للجميع.

أما فيما يتعلق بمؤشرات البطالة فإن الأرقام لا زالت تتحدث عن ذاتها فإن إرتفاع نسبة البطالة له أسباب مركبه تطرقنا في موضوعها عدة مرات في مقالات سابقة. فالملفت للإهتمام أن نسبة البطالة العالية جدا هي في قطاع غزه والسبب يعود إلى حصار القطاع أولا وإستمرار حركة حماس في رفضها إعادة القطاع إلى سلطة الدولة. كما أن الإختلال في سوق العمل ما بين العرض والطلب وإستمرار إنخفاض مشاركة المرأة في سوق العمل (بالرغم من أن النساء هن الأكثر تعليما) تمثل الأسباب الذاتية لإستمرار البطالة. بالإضافة إلى إستمرار الإحتلال الذي يقوض الإقتصاد الفلسطيني ويمنعه من التطور والنمو ليوفر فرص عمل جديده. وفي ظل إستمرار هذه الظروف لا بد من العمل على زيادة الإستثمار في التدريب المهني وتشجيع القطاع الخاص الفلسطيني على الإستثمار في هذا النوع من التعليم. وإنني أعتقد أنه إذا منحنا القيادة للقطاع الخاص فرصة التوسع في منظومة التدريب المهني فإننا سنحصل على نتائج سريعة يمكن أن تعالج الإختلالات في سوق العمل بين العرض والطلب. كما أن تشجيع عمل النساء وتقديم كل أشكال الدعم والتسهيلات لهن لإقامة مشاريعهن الخاصة سينعكس إيجابا على مشاركة المرأة في سوق العمل. أما مؤشر إرتفاع نسبة المنشآت الإقتصادية الصغيرة ومتناهية الصغر يعود إلى سببين أساسيين الأول إجتماعي والمتمثل في أن معظم المنشآت الصغيرة هي منشآت عائلية خاصة والثاني والمتمثل في طبيعة الإقتصاد الفلسطيني الذي يعتمد بشكل كبير جدا على قطاعي التجارة والخدمات. هذه الأعمال لا تتطلب إلى رأس مال كبير أو خبرات فنية كبيرة لذلك تتوجه العائلات نحو الأعمال الصغيرة والبسيطة. وإنني أعتقد أن الإقتصاد الفلسطيني بحاجة إلى مزيد من الإستثمارات في قطاعات الصناعة والزراعة والسياحة الأمر الذي يتطلب تشجيع وتسهيل إنشاء شركات كبيره ذات مساهمة عامة. وبدون إقامة هذه الشركات سيبقى الإستثمار في قطاعات الصناعة والزراعة والسياحة ضعيف لأن إقامة مثل هكذا منشآت يتطلب رأس مال كبير وخبرات فنية أكبر.

وفي الختام إنني أستطيع القول أن لدينا كنزاً معلوماتياً كبيراً يجب الإستفادة منه إلى أقصى حد، نحو سياسات تنموية خلاقة وخطط ذات رؤيا واضحة وبرامج تنموية قادرة على إحداث التطور والنمو وخاصة أن فلسطين تمتلك عائدا ديمغرافيا يمكنها من التطور والإرتقاء إلى مصاف الدولة المتقدمة. ولا ينقصنا سوى العمل والتعاون المشترك بين كافة مؤسسات الوطن الأهلية والوطنية لترجمة هذه الأرقام إلى خطط وبرامج عمليه. ومن الضروري أيضا التعاون مع الحكومة الفلسطينية التي قبلت التحدي بترجمة هذه النتائج إلى برامج عمل لتنفيذ أجندة السياسات الوطنية التي بدأ العمل بها قبل عام تقريبا. وإن نتائج التعداد ستساعد حتما في رسم معالم أوضح لطريق تنفيذ هذه الأجندة الوطنية.