لماذا كشفت اسرائيل عن قصف المنشأة السورية الآن..؟!

بقلم : راسم عبيدات-القدس

في خطوة غير مألوفة وبعد احد عشر عاماً، كشفت اسرائيل عن انها في أيلول 2007 قامت بقصف ما أسمته منشأة سورية نووية افتراضية، جرى تطويرها بالتعاون مع خبراء من كوريا الشمالية، منشأة " الكبر" في شمال شرق دير الزور، وحينها قالت سورية بانها منشأة عسكرية مهجورة، وبغض النظر عن ذلك، ولكن السؤال المحوري لماذا تكشف اسرائيل عن ذلك الآن..؟؟

واضح بأن هذا الكشف يحمل رسالة واضحة الى طهران بأن مفاعلاتها النووية لن تكون بمنأى عن قصف الطائرات الإسرائيلية، كما حصل مع المفاعل النووي العراقي "تموز" في عام 1981، والمنشأة السورية المزعومة، ولكن ما كان ممكناً في ذلك الزمن لم يعد ممكناً في هذا الزمن، فاليوم اسرائيل أمام محور يمتد من طهران وحتى صنعاء، وأي قصف اسرائيلي للمنشئات النووية الإيرانية، سيجري الرد عليه من قبل طهران وبما يغرق اسرائيل بعشرات الاف الصواريخ، وبما يقوض جبهتها الداخلية الهشة، فالمستشارة الألمانية ميركل قالت بشكل واضح لنتنياهو إن الغاء الإتفاق النووي مع طهران، قد يشعل فتيل حرب شاملة في المنطقة، فكيف اذا ما جرى قصف منشأت ايران النووية المحصنة تحت الأرض والمحمية بشبكة صواريخ متطورة؟

اسرائيل تشعر بأن قوة ردعها وتفوقها العسكري في المنطقة أخذة في التآكل وهي تعيش حالة إرباك غير مسبوقة، وتتخبط قياداتها العسكرية، فاليوم هي تدرك بعد أن جرى اسقاط احدث طائراتها (اف 16) بصاروخ سوري قديم خارج عن الخدمة، مما اجبرها على عدم التحليق في الأجواء السورية، او القيام بغارات جديدة بأن سورية ومعها حلف المقاومة قد اتخذا قراراً عسكرياً وسياسياً بالرد، ولذلك فإن طهران لا تخشى لا تهديدات واشنطن بإلغاء الاتفاق النووي ولا تهديدات اسرائيل بقصف مفاعلاتها، فهي باتت على قناعة تامة بأن هذه التهديدات الفارغة والجوفاء، هي تعبير عن حالة إفلاس تعيشها دولة الإحتلال، هذه الدولة التي تشعر بأنه مع كل انتصار يحققه الجيش السوري على القوى الإرهابية والتكفيرية واستعادة المزيد من الجغرافيا السورية منها، يزيد من احتمالات الخطر على وجودها.

ولذلك هي تحاول رفع معنويات جيشها وجبهتها الداخلية....فلا الزمن الذي قصفت فيه المفاعل النووي العراقي في عام 1981 ، ولا الزمن الذي قصفت فيه المنشأة السورية المزعومة في شمال شرق دير الزور عام2007، هو نفس الزمن، الآن كما قال سماحة الشيخ حسن نصر الله زمن الهزائم قد ولى والان زمن الإنتصارات، فما كان للبنان أن يتحدى دولة الإحتلال، ويقول لها بانه سيدافع عن سيادته وحدوده وعن حقوقه النفطية والغازية في مياهه الإقليمية، لو كان الزمن نفس الزمن الذي مارست فيه اسرائيل عربدتها وبلطجتها.

إسرائيل تحرض أمريكا على الغاء الاتفاق النووي مع طهران وتمارسان حرباً نفسية وتهويلية على محور المقاومة، حيث هددت الولايات المتحدة بشن عدوان على سورية وربما على حزب الله وايران، تحت ذريعة استخدام الجيش السوري للسلاح الكيماوي في الغوطة الشرقية، ولكن تلك التهديدات وعمليات التحريض والتهديد بالعدوان على سورية من قبل فرنسا وبريطانيا وامريكا جوبهت بموقف روسي حازم، بأن أي عدوان على سورية او أحد حلفاء روسيا يعني رداً روسياً حازماً في هذا الإتجاه، ولذلك الحشود والتحضيرات العسكرية الأمريكية في البحر والجو من أجل توجيه ضربة عسكرية لسورية، من اجل إنقاذ الجماعات الإرهابية التي تشغلها وتمولها في الغوطة الشرقية تراجعت الى حد كبير، حيث الرد الروسي الحازم.

وكما فشلت أمريكا في هذا الجانب، لم تفلح الحملة التي شنتها بريطانيا على روسيا وتضامنت فيها فرنسا وامريكا معها بإتهام المخابرات الروسية بتسميم الجاسوس المزدوج سيرجي سكريبال وابنته بمادة كيماوية، في محاولة للربط ما بين استخدام القوات السورية للسلاح الكيميائي في الغوطة الشرقية، وما بين عملية التسميم الروسي للجاسوس المزدوج، اولاً من اجل تبرير الحرب العدوانية من قبل أمريكا ومحورها البريطاني- الفرنسي- الإسرائيلي وتوابعه ، وثانياً للتأثير على مجرى الإنتخابات الرئاسية في روسيا، والتي فاز فيها القيصر بوتين بأغلبية كبيرة.

رغم كل التهويل والتهويش والتهديدات التي تطلقها واشنطن وتل أبيب على وجه الخصوص، وما تقوم به دولة خليجية من تحريض للإدارة الأمريكية لشن حرب عدوانية على سورية، تدفع هي تكاليفها من اجل وقف تقدم الجيش السوري للسيطرة الكاملة على الغوطة الشرقية، وكذلك تحريضها على الغاء الاتفاق النووي مع طهران، فواضح بأن ذلك لم ولن يفلح في منع انهيار الجماعات الإرهابية والتكفيرية، والتي باتت تلفظ أنفاسها الأخيرة، وبأن المشروع الأمري صهيوني في المنطقة ينكفىء ويتراجع، وبان الجيش السوري يتجه نحو حسم سيطرته على اغلب الجغرافيا السورية، والذي سيضع الوجود الأمريكي والتركي غير الشرعي في سورية موضع مساءلة من سورية وروسيا ومطالبة لهما بإخراج قواتهما من الأراضي السورية، لأن ذلك يشكل تعدياً صارخاً على دولة ذات سيادة وإحتلال أرضها بالقوة، مما يوجب مقاومتها بكل الوسائل، بما في ذلك القوة العسكرية والمقاومة.

نعم الزمن تغير وما كان ممكناً في الزمن العراقي والسوري السابقين، لم يعد ممكناً الان، وهذه الحرب النفسية والإعلامية التي تواصل قوى العدوان شنها على سورية وحزب الله وايران، لن تفلح لا في تغيير المعادلات، ولا في حرف انظار الإسرائيليين عن مسلسل الفساد المتلاحق الذي يعصف بنتنياهو ويهدد مستقبله السياسي، فمن بعد هزيمة الجيش الإسرائيلي الذي خاض أول حرب بالوكالة عن أمريكا في تموز/ 2006 ضد حزب الله من أجل خلق الشرق الأوسط الكبير الذي بشرت به وزيرة خارجية أمريكا أنذاك "كونداليزا رايس" وما تلاها من شنه لثلاثة حروب عدوانية على قطاع غزة ومقاومته (2008 -2009 و 2012 و2014)، والتي لم تستطع ان تنتصر فيها إسرائيل على مقاومة محاصرة محدودة القدرات والإمكانيات، لم تعد إسرائيل صاحبة اليد الطولى والتفوق العسكري، الذي يمكنها من ضرب أي قوة او دولة تشعر انها تهدد امنها ووجودها.

ولذلك تأتي التهديدات الإسرائيلية بتدمير أي قوة عسكرية عربية أو إسلامية تمتلك أسلحة من شانها أن تهدد أمنها ووجودها، لم تعد تخيف تلك الدول، فهناك إرادة للرد وقدرة على الرد، وهناك معادلات جديدة ترسم وتحالفات جديدة تنشأ، وكذلك الزمن الأمريكي والإسرائيلي، لم يعد ذلك الزمن فلا روسيا اليوم، هي روسيا غورباتشوف او يلتسن، و لا قدرات ايران وسورية وحزب الله ومعهما بقية دول المحور، هي نفس القدرات السابقة، بل هناك تطور نوعي كبير في قدرات هذا المحور وقدرته على إلحاق هزيمة بإسرائيل والتصدي الفعال لكل من يقف الى جانبها ويدعمها من قوى دولية وإقليمية، ولذلك ما كشفت عنه إسرائيل من تدمير لمنشأة نووية سورية مفترضة في أيلول 2007 ، يندرج في إطار " البروبوغاندا" والرسائل التي تريد أن توصلها لطهران بأنها لن تتواني عن تدمير مفاعلاتها النووية، وتريد أيضاً ان تطمئن جبهتها الداخلية، بأنها قادرة على تصفية أي خطر وجودي يعصف بها.

Quds.45@gmail.com