قتيل ومفقود وعمليات خطف بين موظفي شركة لافارج الفرنسية في سوريا

عين عيسى (سوريا)- "القدس" دوت كوم-- (أ ف ب) -عندما تعرضت شركة لافارج الاسمنتية الفرنسية لاتهامات بتمويل الارهاب وتعريض موظفيها للخطر، قالت إن أمن موظفيها هو "الأولوية". لكن عددا كبيرا من الموظفين تعرضوا للخطف، بحسب شهادات عدة جمعتها وكالة فرانس برس، وبين هؤلاء قتل واحد على الاقل وما زال آخر مفقودا.

في مرتفعات عين عيسى في محافظة الرقة في شمال سوريا، لم يكتمل بناء منزل اسماعيل ياسين. كان سيشكل مصدر فخر له في الحي بغرفه الثلاث وطابقه الثاني.

وقد تمكن ياسين، الاب لثلاثة صبيان، من بدء المشروع بفضل عمله الذي كان يحسده عليه كثيرون في هذه المنطقة الفقيرة: مدقق ميكانيكي في لافارج في جلابية على بعد 30 كلم من عين عيسى.

لكن الحرب شاءت غير ذلك.

فقد سيطرت مجموعات مسلحة على المنطقة وخطفت موظفين او أقرباء لهم مطالبة بفدية في كل مرة، للسماح لهم بدخول المنطقة. وأحصى تقرير داخلي لشركة "لافارج" اثني عشر مخطوفا على الاقل اعتبارا من العام 2012.

في 2013، أوقف جهاديون اسماعيل ياسين، الموظف في الشركة الفرنسية منذ 2009، وقتلوه بعد أشهر من الاحتجاز، بحسب ما روى لفرانس برس أفراد من عائلته وثلاثة من زملائه.

وقال مقاتلون في تنظيم الدولة الاسلامية لاقرباء ياسين إنه قتل ذبحا وألقيت جثته في واد على بعد أربعين كيلومترا الى شمال غرب عين عيسى حيث توجد تلة صخرية كان الجهاديون يلقون معتقليهم منها أمواتا أو أحياء. وقد عثر في المكان على بقايا جثث حوالى مئة شخص.

ويروي أحد أقرباء اسماعيل، ياسين ياسين، أن عمله في لافارج لعب دورا في مقتله. ويقول ان "المصنع كان موجودا في منطقة يسيطر عليها الاكراد واتهمه تنظيم الدولة الاسلامية بانه جاسوس للاكراد".

في 2013 ايضا، اختفى موظف آخر في لافارج عبد الحمادة. وبحسب أربعة من زملائه التقتهم وكالة فرانس برس، خطف عبد الحمادة الذي كان يعمل كميكانيكي في المصنع في حلب، على بعد 150 كيلومترا الى الغرب، وقتل على الارجح.

في تشرين الثاني/نوفمبر 2016، تقدم 11 موظفا سابقا وشركة "شيربا" الفرنسية بشكوى ضد "لافارج" وفرعها السوري وعدد من المسؤولين، بتهمة "تمويل الارهاب" و"التعريض المتعمد لحياة الغير للخطر".

وبشأن التهمة الاولى، أقر برونو بيشو، رئيس شركة "لافارج" سوريا بين 2008 و2014 والذي وجهت اليه التهمة رسميا في كانون الاول/ديسمبر الماضي، أمام المحققين، بأن شركته دفعت بين تشرين الثاني/نوفمير 2013 وتموز/يوليو 2014، حوالى عشرين ألف دولار شهريا لتسهيل تنقل الموظفين ونقل السلع، وقسم من هذه الاموال على الاقل دفع بعد مقتل ياسين اسماعيل.

ويشتبه بان "لافارج" مولت بشكل غير مباشر مجموعات مسلحة سورية بينها تنظيم الدولة الاسلامية وتنظيمات جهادية اخرى بحوالى 13 مليون يورو بين 2011 و2015.

هل عرضت لافارج التي سحبت موظفيها الاجانب من سوريا لأسباب امنية، السوريين العاملين لديها لمخاطر كبيرة بقرارها البقاء حتى 2014 في سوريا، في وقت غادرت كل الشركات المتعددة الجنسيات منذ 2012؟

واكدت المجموعة التي قامت في 2015 بعملية اندماج مع شركة "هولسيم" باستمرار، ان امن العاملين لديها "أولوية".

ويرى عدد من الموظفين المحليين السابقين في لافارج ان الشركة قدمت الكثير لاقتصاد المنطقة وسكانها منذ وصولها في 2012.

لكن بعضهم يعتبرون ان المجموعة لم تقم بحمايتهم بعد ذلك، لا سيما عند عملية الاجلاء الكارثية للمصنع في 19 ايلول/سبتمبر 2014 يوم استيلاء تنظيم الدولة الاسلامية عليه وانتهاء مغامرة "لافارج" السورية.

وروى جرير يحيى الملا علي، أحد هؤلاء الموظفين السوريين، ان الجيران في ذلك الصباح "جاؤوا الى المصنع ليقولوا لنا إن تنظيم الدولة الاسلامية يهاجم، لم يبلغنا أحد من الادارة بذلك. مسؤول المصنع كان فرّ مع عائلته".

واضاف لفرانس برس "لافارج لم تكترث بأمننا ولم تُعد أي خطة إجلاء. تكدسنا 29 شخصا في ثلاث آليات عثرنا عليها. لو بقينا في المصنع لكنا قتلنا".

واكد عدد من الموظفين السابقين في لافارج هذه الرواية.

بعد أيام، عبر فريديريك جوليبوا الذي تولى إدارة المجموعة خلفا لبيشو على رأس "لافارج سوريا"، في رسالة الكترونية الى زملائه، عن ارتياحه، مؤكدا "نجحنا في إخراج موظفينا من المصنع سالمين".

وكان جوليبوا نفسه الذي اتهم رسميا في كانون الاول/ديسمبر في القضية أيضا، نصح في رسالة الكترونية طواقمه "باعداد فرش واغذية ومياه وسكر في الانفاق" و"نقل الموظفين اليها اذا وصلت الاشتباكات" الى المنطقة.

وقالت مديرة مجموعة "شيربا" الفرنسية ساندرا كوسار "يبدو انه كان هناك عمى طوعي او غير طوعي، لدى الادارة بشأن سلامة موظفيها".

ومع استمرار النزاع، اصبح المصنع مشتتا بين الاطراف الثلاثة المشاركة في النزاع: النظام المتمركز في دمشق والاكراد الذين يسيطرون على المنطقة والجهاديون بما فيهم تنظيم الدولة الاسلامية الذين تمكنوا في نهاية المطاف من السيطرة على مدن مثل منبج التي يعيش فيها عدد من الموظفين.

وكان اسماعيل ياسين يعيش في عين عيسى التي تضم عددا من مؤيدي النظام لكن عليه عبور منطقة يسيطر عليها الجهاديون للوصول الى المصنع الذي يحميه الاكراد. وبذلك كانت لدى كل طرف اسباب للحذر منه.

واعتبارا من 2013، كان الابقاء على المصنع الذي استثمرت لافارج 680 مليون يورو فيه مراهنة على مستقبل افضل، أولوية بالنسبة الى فرعها السوري، ولو ان ذلك كان ينطوي على مجازفة. وقال بيشو للمحققين "اعتبارا من اللحظة التي اتخذ فيها قرار البقاء (...) في اجواء حرب اهلية، كان يفترض تحمل العواقب".

وتقول المجموعة ان الجهات التي حاولت إقناعها بعدم البقاء نادرة. وقال مساعد المدير العام للمجموعة كريستيان هيرو الذي وجه اليه اتهام أيضا في القضية، ان الحكومة الفرنسية كانت تدفع باتجاه بقاء المصنع في سوريا.

لكن الموظفين يتحدثون عن ضغوط مارستها الادارة حينذاك. وقال يحيى الملا علي "اذا لم يأت احدنا الى المصنع بسبب مشاكل امنية، كان يتم تسريحه". لكن كثيرين بقوا للاحتفاظ بوظائف كانت تعيش منها عائلات باكملها.

وبين هؤلاء اسماعيل ياسين. وقال قريبه مصطفى ياسين "كان يعرف ان الامر خطر لكن لم يكن لديه مورد رزق آخر".

واكد هيرو للمحققين ان "كل عمليات الخطف تمت تسويتها وتم دفع الفديات وأفرج عن الاشخاص بدون اي أذى جسدي".

لكن ردا على سؤال بشأن عبد الحمادة، اعترف بان موظفا خطف في حلب "لم يتم العثور عليه". واضاف ان لافارج لم تهتم بالامر لان حمادة خطف كونه معارضا للنظام السوري ومتهما بعدد من عمليات الخطف والقتل منذ بداية النزاع.

وعن مجازفته بالتوجه الى حي يسيطر عليه النظام في حلب، قال زميله السابق جرير يحيى الملا علي ان لافارج فرضت ذلك.

واوضح ان "لافارج سوريا" لم تكن تريد ان تدفع الرواتب في المصنع لتجنب الابقاء على سيولة كبيرة فيه تغري بسرقته. وكما في شركات وادارات اخرى، كان على الموظفين سحب اجورهم من المصرف في أقرب مدينة وهي حلب.

واضاف "قلنا للافارج ان الذهاب الى حلب يمكن ان يكون خطير،ا لكن الشركة رفضت دفع الاجور في المصنع. لم يعد لدى عبد الحمادة مال ولم يكن لديه خيار آخر. خطف عند خروجه من المصرف". وأكد الرواية موظفون آخرون.

بعد اختفاء هذا الموظف، وافقت الادارة على دفع الرواتب في المصنع.

وامام المحققين في باريس، قدم احد زملاء واقرباء عبد الحمادة تفصيلا آخر. قال إنه بعد خطفه، قامت شركة لافارج سوريا بتسريحه بسبب "تغيبه غير المبرر".