معادلة: عن الكثرة والشجاعة

بقلم : حمدي فراج

قيل قديما ان الكثرة تهزم الشجاعة ، كان ذلك عندما كان القتال يقتصر على اليد وعضلاتها و ما تمتشقه من سيف أو عصا أو ما تيسر ، و "قديما" هي الكلمة التي يحبها العرب ويتوقون اليها ويذوبون عشقا فيها ، لأنها على الأقل تنقذهم من سوء حاضرهم وقسوته وما يحمله لهم من ذل لا تستطيع حتى بعض الحيوانات في غابها تحمله . و"الحاضر" الذي يريد ان يهرب منه العرب ، هو حاضر مخضرم ، يمتد لعقود وقرون ، لم تنفع فيه عقائدهم ولا كثرتهم ، حين قال فيهم الله تعالى "ويوم حنين اذ اعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين ، ثم انزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودا لم تروها وعذب الذين كفروا وذلك جزاء الكافرين". وعلى كل حال فقد كشف الداعية المصري خالد الجندي، عضو الهيئة الاسلامية العليا في مصر، ان جميع من قتلوا في غزوات الرسول صلى الله عليه وسلم البالغ عددها سبع عشرة غزوة لم يتجاوز ستماية شخص ، وأضاف بشيء من التندر "دول زي خناقة (طوشة) في شبرا" . اليوم لا تدور المعارك بين الكافرين وغير الكافرين ، ليست السعودية كافرة ولا اليمن كافرة ، لا سوريا كافرة ولا تركيا كافرة ، لا سعد الحريري كافر ولا حسن نصر الله كافر ، لا فتح كافرة ولا حماس كافرة ، حتى امريكا المسيحية ليست بكافرة ولا اسرائيل اليهودية كافرة .

واليوم ، لا تنفع "الكثرة" ولا تشفع "الشجاعة" ، ولهذا قال ولي العهد السعودي انه سيسعى الى امتلاك اسلحة نووية للرد على ما تسعى اليه ايران ، رغم ان اسرائيل تمتلك المئات من هذه الرؤوس والقنابل النووية منذ انشائها قبل ما يقارب السبعين سنة ، فأغنتها لكي تردع "كثرة" العرب الذين يعدون بمئات الملايين ، وتسخّف "شجاعة" الفلسطينيين التي وصلت الى أطفالهم ان فجروا انتفاضة الحجر قبل نحو ثلاثين سنة ، فأدخلوا اول مفردة عربية "انتفاضة"الى قاموس اوكسفرد منذ خمسمائة عام .

جيفارا غزة منذ خمسين عاماً ، دلال المغربي منذ اربعين عام ، يحيى عياش منذ خمس وعشرين عام ، أبو جندل منذ عشرين عاماً ، مهند الحلبي منذ ثلاثة أعوام ، وأخيرا وليس أخرا المقعد أبو ثريا من غزة وعهد التميمي من الضفة ، وبين نخبة الشجاعة هذه ، هناك العشرات بل والمئات من الأسماء الذين سطروا آيات في البطولة الفردية والشجاعة الشخصية ، لكنها لم تشفع لهم احراز النصر على دولة طاغية باغية عنصرية في نخاعها ، سرطانية في تمددها ، اخطبوطية في توسعها ، نووية في تسلحها ، رغم ما قاله عنها السيد حسن نصر الله "أوهن من خيوط العنكبوت" ، لكنه نسي ان يقول ان الدول العربية اكثر وهنا منها رغم كثرتهما وشجاعة ابنائهما وبناتهما .