شظايا تفجير بيت حانون!

رام الله - "القدس" دوت كوم - كتب إبراهيم ملحم - إذا كان المحققون في تفجير "عِزبة بيت حانون" على بعد 500 متر من حاجز ايرز، والذي استهدف موكب رئيس الوزراء، ورئيس جهاز المخابرات، قد تمكنوا من لملمة شظاياه التي تناثرت على مساحة العزبة الواقعة على خطّ النار خلال ساعات قليلة لتعقّب مرتكبيه، فإن لملمة التداعيات الناجمة عن العمل الإجرامي المدان قد تستغرق وقتًا يتجاوز مدة الانقسام المقيم منذ أحد عشر عامًا، والذي يتسع فيه يومًا بعد يوم الخرق على الراتق، إذا لم تقم حركة حماس بإجراءات جديّة وسريعة تُفضي إلى الكشف عن مرتكبيه وتقديمهم للمحاكمة.

فرسائل التفجير بشظاياها الحادة، وأعمدة الدخان الأسود التي تصاعدت منها، تتجاوز في معانيها ودلالاتها وتداعياتها، حدود القطاع المثقل بالأزمات، والمسكون بالشكوك والتوجسات، والمفخخ بالتباينات في المواقف والتوجهات والأجندات والسياسات التي تفسّر، حالة التلكؤ والارتباك والارتياب من تطبيق ما تم التوصل إليه من توافقات تطوي صفحة الانقسام، وتقطع الطريق على "عروض التصفية " المتسربلة بأردية "الغوث الانسانية" والتي تتخذ من أوجاع الناس وجوعهم ومعاناتهم، ذريعة لوضع حجر الاساس لتلك "الصفقة الصفعة"!.

وكأنّ المصالحة المتعثّرة منذ يومها الأول الذي أعقب طقوس الفرح بتبادل التهاني والتبريكات والقبلات والدعوات المباركات الطيبات؛ كانت بحاجة إلى عثرات جديدة تضاف إلى جبال الأزمات والعثرات والاستعصاءات التي اعترضت طريقها، والتي باتت اليوم مزروعة بالعبوات بعد أن ظلت طيلة الأيام الـ145 من عمر الوفاق والاتفاق في القاهرة مزروعة بالشكوك والتوجّسات، والتنابز بالاتهامات والتمنُّع عن تسليم الوزارات، ورفض إطلاق سراح الصلاحيات المحتجزة لدى "حكومة الظل" التي لم تغادر الحكم وإن غادت الحكومة، الأمر الذي استدعى الإقامة الدائمة للوفد الأمني المصري لتذليل العقبات التي حالت دون تمكين حكومة الوفاق.

رغم قتامة المشهد، وارتباك اللحظة، في منطقة لا سيطرة للحكومة عليها، فإنّه يسجّل للسيّد رئيس الوزراء حكمته وتجلُّده ومسؤوليته الوطنية العالية، وحسن إدارته وتصرّفه كرجل دولة في التعامل مع الواقعة بإصراره على مواصلة جولته بافتتاح محطة التنقية وإعلانه أنّ الحادث لن يزيد الحكومة إلّا إصرارًا على مواصلة عملها، وتقديم خدماتها للأهل في القطاع وهو ما يعاكس أهداف ومرامي من خطط ونفذ ذلك العمل الإجرامي.

لا يحتاج المرء إلى ذكاء كبير، ولا إلى تحليل عميق، لمعرفة أهداف منفذي التفجير الذي يحمل هوية مرتكبيه، فهم أولئك الذين استهدفوا سيارة اللواء توفيق أبو نعيم مدير قوى الأمن الداخلي بالقطاع في شهر تشرين أول من العام الماضي، وهم أولئك الذين توعّدهم رئيس الحركة في غزة يحيى السنوار غداة توقيع الإتفاق في القاهرة بكسر رقابهم، وهو يعبّر عن توجُّسه من محاولات البعض وضع العصي في دواليب الاتفاق وتعطيل الوفاق بعد أن رصد أصواتًا داخل الحركة لا تريد المضي قدمًا فيما تم التوافق عليه، عندما رأت تلك الأصوات في المصالحة مسًّا بمصالحها وأجنداتها.

إنّ الجريمة البشعة وهي ترسم آفاقًا كئيبة لمستقبل المصالحة، فإنها تصبّ ربحًا صافيًا في جيوب المتربصين بها من أولئك الذين، يريدون لغزة أن تكون دولة مستقلة، ليستبيحوا الضفة، بالاستيطان وتقطيع الأوصال، بعد أن سحبوا القدس والحدود والأمن والاستيطان عن طاولة المفاوضات.

وأحسب أنّ منطق الردّ على محاولات تفجير المصالحة، يكون بالقيام بالمزيد من المصالحة، والإصرار على تطبيق بنودها، بتذليل العقبات الموضوعة أمامها، والإصرار على تنفيذ المشاريع والبرامج وفق ما جاء في موازنة الحكومة التي تضمّنت استيعاب نحو عشرين ألفًا من موظفي حماس، إضافة إلى أهمية التواجد الدائم للوزراء والمسؤولين للقيام بمهامهم في مواقع المسؤولية التي من المفترض أن تكون حماس قد أكملت تسليمها لحكومة الوفاق.

إن إدانة حركة حماس للعمل الإجرامي، ومسارعتها لتشكيل لجنة تحقيق للإمساك بالخيوط المؤدية لمرتكبيه، هذه الخطوة وهي تعبّر عن موقف مسؤول من الحركة التي تبسط سيطرتها على القطاع، فإنها في الوقت ذاته توجب عليها القيام بتحقيق مهني جدّي بمشاركة مسؤولين أمنيين من حكومة الوفاق، يفضي إلى الكشف عن المجرمين ومن يقف خلفهم، وتقديمهم للعدالة لتنفيس الإحتقان وإزالة الشكوك، وإكساب خطوات المصالحة آلية جديّة تفضي إلى تمكين الحكومة من بسط سيطرتها الكاملة على القطاع لمحاصرة شظايا التفجير الإجرامي، ولقطع الطريق على ما يُنسج من مؤامرات تستهدف القضية برمتها بعروض التصفية النهائية المرتقبة والتي باتت غزة على رأس قائمة استهدافاتها.