إسرائيل مقبلة على أزمات حاسمة

بقلم: برهوم جرايسي

الأزمات التي بدأت تضرب حكومة بنيامين نتنياهو، عدا قضايا الفساد، ليست مفاجِئة، بل جاءت بتوقيتها، خاصة في مسألة تجنيد شبان "الحريديم" في جيش الاحتلال، التي هي احدى القضايا الجوهرية في الصدام بين "الحريديم" والصهيونية؛ ولكن أيضا هناك أزمة القيادة السياسية، التي بقي حزب "الليكود" بعيدا عنها نوعا ما حتى الآن، فقد بات مرشحا للغرق في ذات الأزمة، ما سينعكس مباشرة على شكل وطبيعة الحُكم الصهيوني، وينبئ بحضيض أشد عمقا.

ومسألة تجنيد شبان المتدينين المتزمتين "الحريديم"، التي استعرضناها مرارا سابقا، هي أن "الحريديم" يرفضون الانخراط في جيش الاحتلال لأسباب دينية، حسب قولهم، رغم غرقهم في مواقف اليمين الاستيطاني المتطرف. فمسألة الشريعة هي تغطية لما هو أعمق؛ إذ يرى كبار حاخامات الحريديم بالتجنيد، قناة لانخراط شبانهم في العالم المفتوح، ما يفسح المجال أمام أعداد كبيرة منهم، لمغادرة مجتمع الحريديم المغلق المتقشف. وهذا بالضبط ما يسعى له الحُكم الصهيوني، تحت شعار تورية: "توزيع العبء المجتمعي".

و"الحريديم" يكفّرون الصهيونية، ويعتبرون كيانها عابرا، لأن "مملكة إسرائيل" سيقيمها المسيح حينما يأتي إلى العالم لأول مرة. ولكنهم يتعايشون مع الكيان، من أجل تسيير مصالحهم، ولهذا الغرض يشاركون أيضا في الحُكم. وجوهر المعركة الخفية الدائرة، هو سعي المؤسسة الحاكمة لتحلل هذا الجمهور وتحطم جدرانه، بينما زعماء "الحريديم" يقاومون كل هذه المحاولات، ويستغلون كونهم باتوا بيضة قبان لأي حكومة؛ فكل حكومة أقيمت من دونهم لم تعمّر طويلا، مثل حكومة بنيامين نتنياهو السابقة.

وترتكز هذه المعركة على عدة نقاط تصادم، ولا تقتصر فقط على الخدمة العسكرية، بل أيضا في قوانين الاكراه الديني، وجهاز التعليم المنغلق الخاص بهذا الجمهور، وغيرها من القضايا. وكل ما شهدناه على مر السنين، هو دحرجة وتأجيل هذا الصدام الحتمي. ولكن نسبة "الحريديم" ترتفع بوتيرة عالية جدا، نتيجة نسبة التكاثر العالية 3,8 %، مقابل 1,3 % لدى العلمانيين، وهم يشكلون اليوم نسبة 13 % من اجمالي السكان، وأكثر من 15,5 % من اجمالي اليهود الإسرائيليين، ومن المتوقع أن تتضاعف نسبتهم في غضون أقل من عقدين من الزمن، وهذا ما يقلق الصهاينة على وجه الخصوص.

وحتى نهاية الأسبوع، لم يكن واضحا مصير حكومة نتنياهو، على خلفية إصرار "الحريديم" على سن قانون يعفيهم من الخدمة. ولكن حتى لو تم تأجيل الأزمة، فإنها إما ستنفجر مرة أخرى بعد أشهر، أو أن يتم دحرجتها للحكومة، التي ستقام بعد الانتخابات البرلمانية المقبلة، وهي أيضا ليس واضحا متى ستكون.

والأزمة القريبة الأخرى تتعلق بحزب "الليكود"، أكبر الأحزاب الإسرائيلية، الذي من المؤكد أنه سيغرق في أزمة زعامة، في حال غاب نتنياهو قسرا، عن الحلبة السياسية بفعل قضايا الفساد. فكل الأحزاب الإسرائيلية القديمة غرقت وتتفتت بعد زوال الجيل المؤسس للكيان، ولتلك الأحزاب. ونتنياهو هو حالة استثنائية، ساهمت في تثبيته في الحُكم سلسلة عوامل. ومن أبرزها التصفية التدريجية للصف القيادي الأول في الحزب. وثانيا، التصاقه بحيتان المال، داعميه بشتى القنوات، وهذا بالضبط ما جعله يغرق أكثر من غيره بقضايا الفساد. ورغم ذلك، فلا مؤشرات حاليا، على أنه يفقد شعبيته.

وكما ذكرت في مقال سابق، فلا يوجد بديل من نتنياهو قادر على أن يوحّد حزب "الليكود"، الخاضع كليا لليمين الاستيطاني المتطرف، ولهذا فإن مَن بعده ستكون شخصية ضعيفة، نسبيا، موجودة في حالة منافسة دائمة داخل الحزب، وهذا ما يجعل خليفة نتنياهو أكثر ضعفا، ومنصاعا لضغوط قوى سياسية صغيرة، ما يعني زيادة تفتت الحلبة السياسية، وهذا يجعلها تخوض مسارات سياسية أشد تطرفا، حفاظا على استمرارية الأحزاب الحاكمة.

ومن فوق كل هذا، فإن احتمالات المغامرة العسكرية تبقى قائمة، لهروب العصابة الحاكمة من أزماتها؛ على الرغم من أنه وفق سياق الأمور، فلا يبدو أننا أمام حرب قريبة، فإسرائيل على المستوى الاستراتيجي ليست بحاجة لها، والأوضاع الإقليمية "مريحة جدا" للمخططات الصهيونية، وأولها استبعاد القضية الفلسطينية من على واجهة الأجندة الدولية.

barhoum.jaraisi@alghad.jo

... عن "الغد" الأردنية