سقوط ولي العهد كوشنر

بقلم: دانييل شابيرو

منذ الأول من تشرين الأول، 1973 عندما عقد لقاء بين رئيسة الوزراء الإسرائيلية، غولدا مئير، التي كانت تحت طائلة الإنتقاد لاخفاقاتها التي أدت الى حرب تشرين، والرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون الذي كان غارقاً في فضيحة ووترغيت، تمكن القادة الإسرائيليون والأميركيون من اللقاء في وسط الفوضى السياسية الداخلية في الدولتين.

وبينما يجتمع الآلاف من داعمي العلاقات الإسرائيلية الأميركية القوية في واشنطن لحضور الإجتماع السنوي لمنظمة "إيباك" هذا الأسبوع، فإن الوضع المشحون في كلتا الحكومتين يثير التساؤل حول كيفية إدارة العلاقات الأميركية الإسرائيلية من خلال المياه المتعرجة والطرق الوعرة.

لا يمكن إنكار أن الرئيس ترامب صديق لإسرائيل، لكن هناك حاجة لأكثر من الشعور الجيد الضروري لجعل العلاقة بناءة كما ينبغي أن تكون. وبكل جدية، قد يحدث العمل المهني للحكومات المنظمة جيدا .

وبإمكاني سماع القراء وهم يلفظون قهوتهم. ماذا؟؟ قد يلقي ممثل عن إدارة الرئيس أوباما محاضرة حول كيفية التعاطي مع العلاقات الأميركية - الإسرائيلية. ألم تكن تلك فترة التوترات الكبرى في العلاقات؟ أمنحوني مهلة.

وهذا الانتقاد عادل الى درجة ما، مع الأخذ بالاعتبار الخلافات العميقة التي ساهم فيها الطرفان خلال تلك السنوات. لكنها ليست الصورة الكلية.

فخلال نفس الفترة التي شهدنا فيها خلافات سياسية جدية، وتحديدا حول الإتفاق النووي الإيراني وقضية مستوطنات الضفة الغربية، نمت العلاقات الثنائية بشكل قوي في العديد من المجالات. فقد نمت بشكل قوي في التعاون الأمني، الذي انتهى الى التدريبات العسكرية المتكررة والمعقدة، والتي وصلت الى حد التوقيع على مذكرة التفاهم التي وصلت الى 38 بليون دولار أميركي، والتي تمكن إسرائيل من شراء 50 مقاتلة إف. 35 على الأقل للحفاظ على تفوقها العسكري لعدة عقود.

ونمت العلاقة بشكل أكبر في التعاون الإستخباراتي، حيث تم رفع درجة الشراكة الى مستوى الصداقة الحميمة التي تتمتع بها الولايات المتحدة مع القليل من الدول الأخرى، وتتيح مشاركة المزيد من الوقت في تبادل المعلومات ونشر الأصول الإستراتيجية ضد التهديدات المشتركة.

كما تعاظمت في مجال تطوير التكنولوجيا، وبخاصة الدفاع الصاروخي، ما أدى الى النشر الكامل للقبة الحديدية والإختراقات في تطوير مقلاع داوود والسهم 3. والنجاح الإسرائيلي الأخير في اكتشاف وتدمير أنفاق حماس وهو ما يرجع الى البحث الأميركي الإسرائيلي المشترك وتطوير البرنامج الذي انطلق عام 2015.

وتعاظم بدرجة قوية في التنسيق الدبلوماسي، حيث عملت الدولتان سويا وبشكل أسبوعي خلال السنوات الثماني الماضية لوضع حد ولمواجهة محاولات نزع الشرعية عن إسرائيل في المنظمات الدولية، على الرغم من انعدام الاتفاق على قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2334 الصادر في تشرين الثاني 2016.

ونمت أكثر خلال الاستجابة للكوارث، عندما احتشدت المؤسسات الأميركية لتوفير المساعدة لإسرائيل أثناء حريق الكرمل عام 2010.

ونما التعاون بشكل كبير في المجال الإقتصادي والتجاري، عندما تقدمت الحكومتان بجهودهما لدعم شراكة القطاع الخاص النشط، من خلال خفض الحواجز وزيادة الفرص للمستثمرين والمقاولين في البلدين للقاء والإجتماع للعمل.

وكل ذلك التقدم في القضايا المشتركة نجم عن جهد الجانب الأميركي على الأقل، لضمان أن العلاقات الثنائية والسياسية التي توجهها، امتدت الى جميع أنحاء حكومتنا.

ووفر مجلس الأمن القومي في البيت الأبيض النسيج الضامن للمبادرات المتفاوتة، لكن هناك تفاهم أشمل في الحكومة لما نسعى الى الوصول اليه - علاقة شراكة قوية متينة في كافة الميادين، ومدى مساهمة كل قسم.

ودائما سيكون القليل من الأفراد رفيعي المستوى هم الذين يديرون العلاقات ويصنعون القرارات بشأن أكثر القضايا حساسية، لكن الآخرين في الحكومة بحاجة الى اشراكهم واطلاعهم على المعلومات والتنسيق معهم.

وأخيرا، لدى المرء الإنطباع بأن العلاقة تقلصت الى مستوى ثلاثة أو أربعة أشخاص. جراء جنون عظمة ترامب بالبيت الأبيض بشأن ولاء مهنة المسؤولين، الذين سخروا على أنهم "الدولة العميقة" يساهمون بالتأكيد. ونفس الشيء الإخفاق في ملء العديد من الشواغر في وزارة الخارجية. وينتشر الإئتلاف السياسي الإسرائيلي، مع المناصب الحكومية، عبر الأحزاب المتعددة، ولا يوجد وزير خارجية كعامل أيضا. وبنية كهذه، تثير المشاكل التي يستفيد منها أي بلد.

أولا - تجعل من الصعوبة بمكان لأسفل أعلى مستوى في الحكومة متابعة القرارات التي اتخذها مسؤولوهم. وفي حال اتخاذ القرار من قبل دائرة داخلية، ولا يتم التواصل به مع المستوى العملي، فلن يتم تنفيذه. وحكومة مزودة بطاقم ضعيف، كما يحدث في الجانب الأميركي، تساهم في المشكلة.

وفي هذه الأيام لا يوجد نظراء ليتصل بهم الإسرائيليون، وفقط هناك مسؤولون صغار السن، مفصولون عن مستوى صنع القرار، ساهموا بكل وضوح بسوء الفهم حول القضايا الحساسة، مثل الترتيبات في جنوب سوريا التي هدفت الى إبقاء القوات الإيرانية ووكلائها بعيدا عن الحدود الإسرائيلية.

ثانيا، تضعف هذه البنية الولايات المتحدة بطرق شتى، وتضر بقدرتنا على الدعم الفاعل لإسرائيل في المحافل المختلفة.

ولم يوجد قط وزير للخارجية مستبعد عن العلاقات الأميركية - الإسرائيلية مثل ريكس تيليرسون. فلم يقم بزيارته الخاصة الى اسرائيل، وفي جولته الإقليمية لم يتوقف في القدس، عقب تغلغل الطائرة الإيرانية المسيرة في 10 شباط، حيث جعلت منه غير ذي جدوى. فلماذا تتعامل معه الحكومات الأخرى بجدية عندما يثير المخاوف الإسرائيلية؟.

ان غياب السفراء الأميركيين المؤثرين في القاهرة وعمان والرياض والدوحة وأنقرة، يؤكد على ضعف الوزارة ويعيق المساعدة الأميركية لإسرائيل في التعاون الإقليمي ضد التهديدات المشتركة، مثل الزحف الإيراني العسكري المتنامي في سوريا.

وأخيرا، تقحم هذه البنية الفوضى عندما يقع شخص ما في المشاكل. فإذا كانت جميع بيضات العلاقات الأميركية الإسرائيلية في سلة جاريد كوشنر، فماذا يمكن أن يحدث إذا تم التضحية الذاتية بتلك السلة، كما يحدث الآن؟ فالاستثمار المفرط بشخص أو شخصين، بصرف النظر عن مدى دعمهما، يضعف بشكل فعلي البنى التي تحتاجها العلاقات الثنائية.

فالحكومات الأخرى، وبخاصة في الخليج، ارتكبت نفس الخطأ عندما ركنت الى درجة كبيرة الى جاريد كوشنر على أنه الوحيد الذي سيحل كل شيء فيما يتعلق بعلاقاتهما مع الولايات المتحدة الأميركية.

وهذا مرده التشويه الفظيع لحكومة الولايات المتحدة تحت إدارة ترامب التي تحولت من مجموعة من الأقسام المهنية فيها الى عمل تجاري تديره أسرة، وانتهى ذلك بولي عهد وسوء استخدام صارخ للمنصب الحكومي للمضي قدما بالمصالح التجارية الخاصة.

وبينما يسقط كوشنر، يتعين بتلك الحكومات سؤال نفسها: ماذا الآن؟

خلال إدارة أوباما، كنت أسمع أحيانا بأننا على ذات الرسالة بلا هوادة، وبأن المسؤولين الإسرائيليين سيسمعون نفس الشيء بغض النظر عمن يتحدثون معه في الجانب الأميركي. واعتبرت ذلك بأنه إطراء كبير من الإدارة.

ومثل ذلك التنسيق، الذي يدمج كافة أقسام الحكومة، ينجز الكثير فعلا. فهو يسمح بالمتابعة الجدية وتطبيق كل القرارات. وهو يتجنب خلق الارتباك والأوهام إزاء السياسة الأميركية، من خلال سماع مختلف الأشياء من عدة أشخاص، حول القضايا التي قد نتفق أو نختلف عليها. وبدرجة قصوى تصنع علاقة صحية وقوية من شأنها الصمود أمام الإختلافات السياسية الخطيرة.

ودأب الرئيس أوباما على القول بأن المسؤولين الحكوميين أشبه بالراكضين في سباق المراحل، يحملون العصا لبرهة لتسلّم بعدها الى الراكض الأخر. وهذا صحيح مع الإدارات، لكنه صحيح أيضا مع إدارة منفردة، عندما يقوم معظم الأشخاص بخدمة مواقعهم لمدة عامين.

وعندما تسحب العصا من يد جاريد كوشنر، فمن سيحملها لصالح العلاقات الإسرائيلية الأميركية في السنوات القادمة؟.

* دانييل ب. شابيرو زميل زائر لمعهد دراسات الأمن القومي في تل أبيب. وشغل منصب السفير الأميركي في اسرائيل، ومدير قسم الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في إدارة أوباما.

Twitter: @DanielBShapiro