وماذا بعد خطاب أبو مازن أمام مجلس الأمن؟

بقلم: اللواء محمد عبدالمقصود

استبق الرئيس الفلسطيني محمود عباس في خطابه أمام مجلس الأمن الدولي إعلان الرئيس الأمريكي صفقته لتسوية النزاع الفلسطيني الإسرائيلي، بإعلان مبادرته ورؤيته السياسية لتسوية الصراع على أساس حل الدولتين وفق معايير وخطوط وقرارات الأمم المتحدة، والتي سبق للولايات المتحدة أن شاركت ووافقت على صياغتها مثل القرارات 242 و338 و 47 و 478، أو سهلت تمريرها كالقرار 2234، وذلك تطبيقاً لقرارات المجلس المركزي في دورته رقم 28 المنعقدة برام الله الشهر الماضي، حيث أكد فيها «أبو مازن» إنشاء آلية أممية (متعددة الأطراف)، تتجاوز الاحتكار الأمريكي لرعاية جهود التسوية السياسية، والعمل على عقد مؤتمر دولي منتصف العام الحالي (2018)، مع تبادل الاعتراف بين الدولتين الفلسطينية والإسرائيلية على أساس حدود الرابع من 1967، ووقف كل الإجراءات والسياسات الأحادية الجانب خلال فترة المفاوضات، مع وضع سقف زمني لإنهاء المفاوضات.

وأهمية هذه المبادرة أنها جاءت بعد جولات قام بها الرئيس عباس لعدد من القوى الدولية المؤثرة لاستشراف مواقفها من التطور اللاحق لاعتراف ترامب بالقدس عاصمة لإسرائيل في 6 ديسمبر 2017، خاصة بعد إعلان السفير الأمريكي اعتزامه البدء في إجراءات نقل السفارة للقدس اعتباراً من منتصف شهر ايار المقبل على أن ينتهي من نقلها للقدس بنهاية العام 2019.

بداية هناك مجموعة من الحقائق ينبغي إدراكها وهي:-

- سيطرة حكومة يمينية متطرفة على دوائر صنع القرار في إسرائيل لن يسمح بإقامة دولة فلسطينية على حدود 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، وإنما ستعمل على كسب الوقت لاستكمال عملية الضم والتهويد للضفة الغربية، والاستفادة من حالة الانقسام السائدة حالياً على الساحة الفلسطينية لتحقيق الفصل الكامل بين الضفة والقطاع.

- إن فكرة الدولة الفلسطينية المستقلة، تتآكل كل يوم مع واقع الاستيطان الإسرائيلي، ولذلك فإن الفلسطينيين بحاجة إلى تبني إستراتيجية وطنية بديلة، تركز على تغيير ميزان القوى، بالمقاومة الشعبية الشاملة، وإعطاء الأولوية لبقاء وصمود الشعب الفلسطيني بكل مكوناته على أرض فلسطين.

- اتساع نطاق التأييد الدولي لمطالب الشعب الفلسطيني، بدلالة التصويت في مجلس الأمن، والجمعية العامة، حيث تضامنت 14 دولة مرتين بما فيهم بريطانيا وفرنسا وإيطاليا والسويد، في عملية التصويت ضد صوت واحد هو موقف الولايات المتحدة، والتحول الأوروبي الذي يقترب تدريجياً باتجاه دعم وإسناد المشروع الوطني الفلسطيني، ويبتعد عن المشروع الإسرائيلي- الأمريكي.

ورغم مغادرة الرئيس الفلسطيني قاعة مجلس الأمن دون انتظار الرد الإسرائيلي كما جاء به مندوب إسرائيل داني دانون الذي ندد بموقف أبو مازن واعتبره جزءاً من المشكلة وليس جزءاً من الحل، كما عبرت المندوبة الأمريكية نيك هيلي عن أسفها لأن الرئيس الفلسطيني لم ينتظر سماع ردها على مبادرته، إلا أن ذلك لم يمنع بعض الفصائل الفلسطينية الرافضة لعملية السلام من محاكمة أبومازن على مبادرته وإصدار الأحكام عليها، دون أن يأخذوا في إعتبارهم الواقع وتشابكاته العربية والإقليمية والدولية، حتى يكون موقفها موضوعياً ومنسجماً مع الأهداف الوطنية، وهو ما تستغله إسرائيل لمواصلة ترسيخ الفصل بين الضفة والقطاع وتعميق الانقسام بين القوى والفصائل الفلسطينية، واستكمال تنفيذ سياساتها الرامية لتقويض أركان القضية الفلسطينية (القدس، اللاجئين، الأرض، الحدود)، لاسيما مع تطلع رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو للتغطية على التحقيقات الجنائية التي يخضع لها في القضية 4000 وشبهات الفساد في شركة «بيزك» وموقع «واللا» الإلكتروني، حيث تشير أغلب التقديرات في إسرائيل إلى أن نتنياهو قد يلجأ للتبكير بموعد الانتخابات للكنيست لتجديد ولايته مستغلاً تنامي تأييد الرأي العام للتوجهات اليمينية ومن ثم زيادة شعبية حزبه.

وبالتزامن مع تلك التطورات يأتي اعتراف الدكتور صائب عريقات، أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير بحتمية انهيار السلطة الفلسطينية، وبأن الرئيس الفلسطيني هو وزير الدفاع المتطرف أفيغدور ليبرمان، وليس محمود عباس، ليعكس مدى حالة اليأس المسيطرة على الساحة الفلسطينية، في محاولة لحشد الرأي العام الدولي لمساندة القضية الفلسطينية في هذه المرحلة التاريخية من أجل بلوغ تسوية سياسية تضمن استقلال فلسطين وعاصمتها القدس الشرقية، وضمان حق عودة اللاجئين على أساس القرار الدولي 194، ومن ثم كان خطاب أبو مازن الذي يؤكد أن رئيس منظمة التحرير الفلسطينية، وأركان قيادته متمسكون بخيار التسوية السياسية، مع رهانه على إمكان حدوث تحول في الموقف الأمريكي لصالح الاقتراب من الموقف الفلسطيني، خاصة أن الإشارات الواردة من تصريح وزارة الخارجية رداً على خطاب الرئيس الفلسطيني حول توسيع قاعدة الرعاية لمفاوضات فلسطينية إسرائيلية محتملة، وتصريحات عضوي الكونغرس الجمهوري ليندسي جراهام والديمقراطي كريستوفر كونز في عمان أخيراً تعكس عدم التخلي عن حل الدولتين كإطار ومرجعية لعملية السلام، واحتمالية أن تكون القدس الشرقية عاصمة للدولة الفلسطينية.

وبالنظر إلى تراجع قدرة النظام العربي على توفير الدعم والمساندة الحقيقية والفعالة للقضية الفلسطينية، فإن طرح الرؤية الفلسطينية على الدول الأعضاء بمجلس الأمن أمر محمود، لكن هذه الخطوة لا يمكن البناء عليها، ولا يمكن أن تحدِث اختراقاً، خاصة أنه لا يوجد تصويت، أو أي مشروع قرار في جلسة مجلس الأمن، وبالتالي فإن نجاح القيادة الفلسطينية في التأثير على الرأي العام وتحريك الموقف الدولي لدعم القضية الفلسطينية سيرتبط بمدى توفير عوامل صمود الشعب الفلسطيني على أرضه، والإيمان بضرورة تجاوز الانقسام، وإعطاء الأولوية لإعادة ترتيب البيت الفلسطيني، وبناء مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية، فضلاً عن إعادة هيكلة السلطة، ووظائفها، والتزاماتها الأمنية، والاقتصادية، والسياسية، بما يحقق المصالح الحيوية الفلسطينية، مع تبنّي برنامج مقاطعة إسرائيل (BDS) عربياً ودولياً كشكل من أشكال المقاومة، وكأداة لحشد التضامن الدولي لمحاصرة إسرائيل، ومشروعها الاستيطاني.

...عن «الأهرام» المصرية