قرية رفيديا.. تحولات صارخة في العمران وثبات في العلاقة بين سكانها

نابلس- "القدس" دوت كوم- جسلين ابو حبيس- في قرية رفيديا التي باتت اليوم من أهم وأرقى احياء مدينة نابلس، ثمة شواهد كثيرة على عراقة المكان، حيث يمكنك رؤية بيوت قديمة تعود للعهد العثماني، تجاورها مبان حديثة شاهقة الارتفاع شيدت مكان بساتين البرتقال والزيتون.

كانت قرية رفيديا الواقعة غرب المدينة، تشتهر بأراضيها الزراعية وببساتينها وكثرة الينابيع فيها، لكن ومع مرور الزمن تآكل كل شيء، فطابعها الزراعي والديمغرافي تغير بشكل جذري، وتحولت القرية الوادعة الى حي عمراني راق يسكنه أثرياء المدينة، واضحى العمران يحاصر ماتبقى من اشجار تبدو يتيمة وسط التمدد العمراني المتسارع.

ويقول الاب يوسف سعاده، راعي كنيسة الروم الكاثوليك، احدى كنائس رفيديا، بأن القرية تُعد نموذجا على التحولات الكبيرة والصارخة التي طرأت على المجتمع الفلسطيني برمته، فإرث الأجداد لم يعد إرثا للأحفاد الذين هاجروا أو نزحوا بحثا عن العمل والاستقرار.

وقال الاب سعاده، بان اصل القرية خربة تابعة لعائلة طوقان، وان سكانها الحاليين من مسلمين ومسيحيين هم وافدون من مناطق مختلفة لكن الترابط الكبير والتسامح الديني الذي يجمعهم كعائلة واحدة كان اقوى من أن تغيره أجواء العصر الحديث والتكنولوجيا.

وأوضح أن القرية التي كانت تقطنها ثلاث عائلات مسيحية اضافة الى عائلة مسلمة، تضم عددا من الكنائس القديمة والحديثة التي باتت تحاصرها الأبراج السكنية من كل الجهات، علما انها كانت ايضا تضم ثلاث كنائس بيزنطية قديمة، دمرت ولا يوجد لها اي اثر اليوم.

وقالت الناشطة النسوية ميسر عطياني وهي من سكان رفيديا "أتذكر تماما الحياة الجميلة التي جمعتنا في رفيديا القديمة، والتي هي عبارة عن منطقة كلها بساتين وتجري فيها مياه الينابيع ومنها عين البصة، وعين عويضة، والعين الشرقية التي ظلت تستخدم حتى الان لري المزروعات".

وحول الانسجام بين سكان القرية المسلمين والمسيحيين، تقول عطياني بأن جميع العائلات من مسلمين ومسيحيين كانت تجتمع عند العيون لتغسل الملابس والإطباق، كما كنا نجتمع في ساحة القرية ويبدأ أجدادنا بسرد الحكايات لنا، وكنا وما زلنا نشارك بعضنا البعض الأفراح والاتراح وكل المناسبات.

واشارت عطياني الى مبنى قديم، موضحة انه كان معصرة زيتون قديمة جرى تحويلها إلى (مضافة رفيديا)، وتستخدم لأنشطة الأهالي المختلفة، وتقام فيه الندوات والأفراح والأعراس، ويقدم فيه في مثل هذه المناسبات الطعام، لافتة الى أن الاستفادة من المنازل والمباني القديمة شائعة في رفيديا، فاحد المباني تحول إلى حمام تقليدي، خصص يوميين من ايام عمله الاسبوعية للنساء.

واضافت "لا يقتصر يومنا في الحمام على الاغتسال، ولكنه يشمل الجلوس والاسترخاء والطعام والشراب والاراجيل والرقص والدبكة، حيث نعيش يوما مريحا بوجود نساء موظفات من قبل ادارة الحمام".

وتشير عطياني الى بيت مهجور مقابل الحمام وتقول بان ثلاث نساء كن يعشن فيه، احداهن تدعى لولو الخياطة، التي كانت تخيط التنانير والفساتين لبنات الحارة.

وتقول بانه تم الاستفادة من ترميم منزل قديم، وجدت فيه بقايا اثرية تعود لنحو 1400 سنة، حيث جرى تحويله إلى مركز ثقافي وفني، يحوي مكتبة ومسرح.

وتتذكر عطياني "خلال السبعينيات كانت هناك امرأة من سكان رفيديا تعرف بام يعقوب الدواني، كانت تزور ابنها المحكوم بالمؤبد في سجون الاحتلال فتخرج فجرا الى السجن وتعود بعد ساعات طويلة منهكة، وبعد سنوات أُدرج اسم يعقوب على قائمة الذين سيفرج عنهم في صفقة تبادل الأسرى (النورس)، ولكن تم ابعاده الى خارج الوطن"، مشيرة الى حالة التضامن الواسعة لاهالي القرية المسلمين والمسيحيين معها.

وتتعدد الاراء حول أسباب تسمية رفيديا بهذا الاسم، اذ يقول الاب سعاده بان مسيحيي رفيديا جاؤوا من الكرك الأردنية، بعد أن أحب أحد الأمراء المسلمين، فتاة مسيحية اسمها رفدة، فجاء ثلاثة من اخوة رفدة معها إلى نابلس، وأصبحوا دخلاء على شيخ كبير، وبعد ثلاثة ايام من الحماية، كما هي العادة، اقترح عليهم وضعهم في منطقة بعيدة نسبيا عن وسط البلد، وما حدث ان الامير لحق برفدة إلى هنا، وحدث صراع بين جيشه والاخوة، وان رفدة طلبت أن يقتلها اخوتها لتستشهد وتحافظ على إيمانها المسيحي، ولا تضطر لتغيير دينها، وفعلا ماتت شهيدة، والاخوة الثلاثة هم: هريم، ديب، وفودة، أجداد الحمائل الثلاث التي تنتمي لها عائلات رفيديا المعاصرة.

أما عطياني فتقول بأن "رُفيدة" بنت مسيحية، شك اخوتها الثلاثة بسلوكها وقرروا قتلها، فاتوا بها إلى هذه المنطقة، وبعد قتلها اكتشفوا بشكل أو بآخر انها بريئة فبقوا هنا، وتأسست قرية مسيحية من العائلات الثلاث هذه، ومع الوقت وصل إلى رفيديا فلاحون للعمل في البساتين، وعاش المسيحيون والمسلمون هنا بانسجام حتى الآن .

أما خبير الآثار عبد الله كلبونة فكان له رأي مخالف تماما وقال عن سبب التسمية بان "هناك رأيان، الاول يقول ان رفيديا من الرفيد اي الكمين، والثاني ان رفيديا تنتمي الى عشائر الرفيدات العربية التي نزلتها وسكنت فيها قبل الاسلام، وهي قبائل ما تزال موجودة وتمتد جذورها الى شرق الاردن، وهم عرب الرفيدات. ثم مع مجيء الفتوحات الاسلامية انتشر بين سكانها الاسلام، ومع الاحتلال الصليبي لفلسطين اصبحت تعتبر ضمن قطاع الامراء الصليبيين، حيث ما تزال بقايا المباني الرومانية الصليبية تشاهد في رفيديا، مثل المعصرة الموجودة حتى الان في مركز المرأة".

واوضح كلبونه بان بعض الاسر المسيحية نزحت في العهد العثماني وسكنت في رفيديا، حيث يوجد فيها بقايا كنيسة قديمة وكنائس اخرى حديثة.

واضاف بان كان اهلها كانوا يحصلون على احتياجاتهم المائية من عدة ينابيع اشهرها نبع رفيديا ونبع الكفير، وكان سكانها يمتهنون الزراعة، ويعتبر موقعها استراتيجي لانه مطل على وادي نابلس الغربي.

واشار كلبونة الى ان رفيديا التي كانت في السابق قرية رومانية صغيرة محاطة بسور قديم ولها بوابة ومدخل رئيسي، تطورت اليوم وازداد عدد سكانها وازدهرت بالعمران والمنشات الخاصة والعامة، ومنها الحرم الجديد لجامعة النجاح الوطنية، ومستشفى رفيديا، موضحا ان معظم سكانها هاجروا وأن التوسع السكاني والازدياد العمراني قضى على الأرض الزراعية والبساتين التي كانت تميزها.