باسم الغاز... إسرائيل تتربع !!

بقلم: الدكتورة أماني القرم

سبحان مغيّر الأحوال! من دولة تعاني الشح وتستورد الطاقة إلى دولة مصدّرة للغاز!! بعد الأنباء عن صفقة توريد الغاز الإسرائيلي ( المسيطر عليه إسرائيليا) إلى مصر بقيمة 15 مليار دولار ولمدة عشر سنوات، تدشن إسرائيل مرحلة جديدة في المنطقة شعارها سياسة الطاقة.

وبالمناسبة لم تكن مصر البلد الأول بل سبقها الأردن في توقيع اتفاق لاستيراد الغاز الاسرائيلي عام 2017.

في العام 2009 عثرت إسرائيل على "عصا موسى"، فانشق البحر كاشفاً عن أكبر حقل غاز شرق البحر المتوسط سمي حقل "تمار" على بعد 80 كيلومترا من حيفا، وبعد شهور قليلة تم اكتشاف الحقل الثاني "ليفياثان" ليعد الاثنان طوق النجاة الذي يضع اسرائيل على أعتاب ثورة اقتصادية غير مسبوقة ويؤمن لها عقوداً ممتدة من أمن الطاقة، بعد أن كانت تعتمد كليًّا على استيرادها حتى بدء تشغيل حقل تمار عام 2013. والمفارقة المبكية أن 40% من غاز إسرائيل المستورد قبل ذلك العام كان من مصر.

هذا التحول الدراماتيكي، وبلا شك يؤسس لحقبة جديدة في المنطقة والعالم تتموضع بها إسرائيل كلاعب إقليمي ودولي بفضل القوة الجيوسياسية التي باتت تتمتع بها، خاصة بعد الأنباء المتواترة عن نيّتها تصدير الغاز الفائض إلى أوروبا وتركيا عبر مشروع خط أنابيب مشترك بين تل أبيب وأنقرة، بدأت بالفعل المحادثات حوله منذ العام 2014 وفيما بعده، حيث تم الاتفاق على تشكيل مجموعة عمل مشتركة متجاوزين مسألة التصعيد الدبلوماسي بينهما.

ويعد هذا المشروع الخيار الاستراتيجي الأمثل لكلا البلدين. فبالنسبة لإسرائيل هو الأسرع إنشاء والأكثر رخصاً وسهولة لإيصال الغاز الى أوروبا، وبالنسبة لتركيا فإن تنويع مصادر الطاقة بعيداً عن روسيا هو مسألة أمن قومي مُلح.

في المقابل، فإن التوقعات الجيولوجية التي تتحدث عن أن هناك اكتشافات مماثلة في المنطقة المائية شرق البحر المتوسط والتي يطلق عليها اسم "حوض الشام"، تعني سياسيًّا أنه من الممكن جدا أن المستقبل يحمل نذر صراعات قادمة يتم فيها انتقال الصراع الإقليمي البري ليكون بحريًّا، لأن الحقول المكتشفة إسرائيليًّا متاخمة للمياه الاقليمية اللبنانية المتنازع عليها من جهة، والمياه القبرصية من جهة أخرى، مما يضع إسرائيل بين مشكلتين: الأولى التصعيد مع لبنان وبالطبع ما يلحقها من الدول مثل سوريا وايران. والثانية الدخول في تفاصيل الصراع التاريخي القبرصي التركي. فكلما زادت التحالفات الإسرائيلية القبرصية متانة ، زادت معها حدة التوتر الإسرائيلية/ التركية من ناحية، والتركية/ القبرصية من ناحية أخرى.

خلاصة الكلام، كل شيء جائز في الشرق الأوسط والبحر المتوسط، ولكن الواقع الآن يقول ان اسرائيل باتت دولة مصدرة للغاز، ومن الممكن بفضل التكنولوجيا التي تميّزها أن تصبح من الدول الكبرى عالميًا في تصديره، الأمر الذي يعيد تشكيل تحالفات العالم من جديد ابتداء من مصر والأردن ووصولا إلى تركيا وأوروبا.

amaney1@yahoo.com