اللعب مع الكبار ...

بقلم: الدكتورة أماني القرم

لا شك أنه كان سبتاً أسود على إسرائيل.. فقد سقطت الـ"إف ١٦" بصاروخ سوري أو إيراني أو روسي النوع لا يهم.. المهم والدلالة في رمزية السقوط التي تجاوزت القيمة الفعلية لعملية الإسقاط بمراحل، ليس للعرب فحسب أو الفلسطينيين تحديداً، بل لإسرائيل وغرورها وتفوقها النوعي أولاً وأخيراً. وأكاد أجزم بأن مواطنيها ومسؤوليها حبسوا أنفاسهم في الأيام الماضية خوفاً من تدحرج كرة الثلج وانفجار المواجهة المرتقبة منذ أربعين عاماً بينهم وبين عدوتهم اللدودة إيران الخمينية ، والتي يعلم الله فقط عواقبها وتداعياتها على المنطقة بأسرها.

يعد التهديد الايراني من وجهة النظر الاسرائيلية تهديداً وجودياً كونه ينبع من المزج بين نظام إسلامي متشدد يجاهر بعدائه لأمريكا وإسرائيل، وبين سعيه الدائم للحصول على قدرات عسكرية وسياسية وبرامج صاروخية بعيدة المدى لا يستهان بها.

أما من جانبها، تعلم إيران أن أعداءها كثر في المنطقة والعالم وليس من المستبعد أبداً التحالف بينهم، كما أنها تدرك تغيرات القوى الدولية في النظام العالمي وحدود القوة الأمريكية، فاعتمدت في بقائها على استيراتيجية مفادها أنه كلّما تمددت أكثر وتغول نفوذها في نقاط الفراغ الشرق أوسطية كلّما زادت صعوبة الانتقام منها، لأنها على يقين بأن الارتدادات الناجمة عن أية عمليات انتقامية منها أو مواجهة ستكون أكثر شمولاً ولن تترك دولة في الاقليم على حالها، بل بالعكس ستمنحها هذه العمليات شرعية القيام بأية مبادرات دفاعية في خضم جملة أوراق اللعب التي تتمسك بها، سواء عبر وكلائها وخلاياها النائمة أو عبر قدراتها العسكرية والجغرافية، كونها تسيطر على مضيق هرمز، معبر النفط العالمي، وربما يتطور الأمر لإعادة تشكيل محاور جديدة عبر إشعال النيران في جبهات مختلفة.

إن المفارقة تكمن بأن أعداء ايران هم أنفسهم من قدموا لها الفرص على طبق من ذهب لزيادة تمددها الاقليمي، ففي جميع الأحوال وقياساً لميزان الربح والخسارة تعتبر طهران المستفيد الأول من تقلبات المنطقة بدءاً من الحرب على العراق وإسقاط نظام صدام حسين والذي كان يمثل حائط الصد الدفاعي للمشروع الامبراطوري الإيراني، ومروراً بالمستنقع الذي إنزلقت فيه الولايات المتحدة بعد الحرب مما جعلها تحجم عن التدخل في نزاعات أخرى في الشرق الأوسط، وصولا ً إلى دعم الاضطرابات في سوريا واهتزاز دمشق ليسيطر عليها في النهاية الحرس الثوري.

كل هذه الفرص فتحت لإيران الأبواب على مصراعيها للدخول في قلب الوطن العربي لملء نقاط الفراغ والمنافسة على موقع القوة الإقليمية . وعلى الرغم من أن السماء السورية كانت مفتوحة للغارات الإسرائيلية على مواقع عسكرية وقوافل إمدادات، إلا أن إسرائيل بقيت فعليا خارج نطاق التنافس الاقليمي طوال السنوات السابقة، لأنها عنصر غريب على المكان تفتقر إلى أية روابط سياسية أو أيديولوجية يمكن ان تربطها به.

كل من إيران وإسرائيل يجمعهما الدهاء والمكر السياسي، وكلاهما تتبعان استيراتيجية توازن التهديد للحفاظ على مواقعهما ومكتسباتهما. ومن المستبعد جدا إنجرارهما لمواجهة مباشرة لأن حجم التدمير الذي ستسببه مجهول بالنسبة اليهما. ولكن الهدف الإسرائيلي التالي هو إخراج إيران من سوريا بأي ثمن، وربما سيكون عبر المساومة بورقة الاتفاق النووي.

amaney1@yahoo.com