الثقافة في مواجهة التطرف

بقلم: الدكتور أحمد يوسف أحمد

أشرت في مقال الأسبوع الماضي إلى مشاركتي في المؤتمر الرابع لمواجهة التطرف الذي نظمته مكتبة الإسكندرية في الأسبوع الماضي وكيف اخترت في الجلسة الخاصة بالرؤى السياسية للتطرف أن أتحدث عن استراتيجية شاملة للمواجهة تخيرت منها أبعادها السياسية والدينية والثقافية وأرجأت الأخير إلى هذه المقالة، ولا شك في الأهمية البالغة لدور الثقافة بمعناها الشامل في هذه المواجهة لسبب بسيط وهو أن الثقافة السوية هي التي تقدم المقابل الموضوعي للمحتوى الشائه للحياة الذي يطرحه التطرف علينا ديناً ودنيا، فهي تقدم لنا من خلال أشكال مختلفة القيم الإيجابية في حياتنا من فهم صحيح للدين ووطنية وتسامح واحترام للآخر وهكذا، وهي بذلك تخلق النفس السوية المحصنة ضد الرؤى المتطرفة وتعززها بمزيد من الإبداع الثقافي، والمهم في هذا الإبداع ألا يكون نخبوياً فحسب وإنما أن يصل إلى المواطن العادي.

واستشهدت في هذا الصدد بأيام طه حسين. ذلك العمل الأدبي الرائع الذي أرخ لعديد من معارك التنوير المصرية لكن تأثيره اقتصر على من قرأه من النخبة المثقفة أو طلاب المدارس إلى أن قُدر له أن يخرج في مسلسل مرئي رائع وصل تأثيره إلى بسطاء المصريين كافة، والأمر نفسه ينطبق على رائعة بهاء طاهر «خالتي صفية والدير» ومغزاها الرائع بالنسبة للوحدة الوطنية المصرية فضلاً عما يمكن تسميته بالأدب التليفزيوني كما في العمل الموسوعي لأسامة أنور عكاشة «ليالي الحلمية» الذي قدم بانوراما للحياة المصرية على مدى عهود من شأنها تعميق روح الانتماء لكل من يشاهدها ناهيك بمواجهتها البارعة لظاهرة التطرف في ثنايا العمل، فليست مسئولية الأعمال الثقافية إذن أن تطارد الأفكار المغلوطة الشريرة والتافهة أساسا وإنما أن تقدم صورة الحياة ومنظومة القيم السوية لكي تكون حائط الصد الذي تتكسر أمامه أعتى موجات التطرف.

ولقد أدرك عبد الناصر هذه الحقيقة بوعي تام فلم يكن مشروعه سياسياً اجتماعياً اقتصادياً فحسب وإنما كان له بعده الثقافي الواضح، وهكذا فإن انتصاره على مشروع «الإخوان المسلمين» لم يأت فحسب من سجنهم أو من إجراءات العدالة الاجتماعية التي أقدم عليها فور نجاح ثورته أو من معارك استخلاص الاستقلال الوطني الناجحة التي خاضها أو من الجهود الخارقة من أجل تنمية حقيقية وإنما ساند هذه الأبعاد بعد ثقافي بارز يظهر أهمية الإرادة السياسية في أن يكون لك مشروع ثقافي حقيقي، ومن يقرأ في مذكرات ثروت عكاشة أعظم وزراء ثقافة مصر ملابسات تكليف عبد الناصر له بوزارة الثقافة وتحفظات عكاشة وشروطه كي يتولى المنصب وإطلاق عبد الناصر يده في هذه المهمة النبيلة لابد وأن يدرك أن نجاح المشروع الثقافي الذي قاده هذان الرجلان كان حتمياً، ومن بين الجوانب المضيئة الكثيرة لهذا المشروع أتوقف عند مشروع تكوين فرقة باليه مصرية استُقدم لها خيرة المدربين السوڤيت إلى أن قدمت عرضها الأول وحققت نجاحاً هائلاً فإذا بالوزير العاشق للثقافة يسارع إلى مهاتفة عبد الناصر طالباً منه أن يحضر لرؤية «أولاده» فتكون المفاجأة أن يحضر بالفعل في اليوم التالي مباشرة.

وتظهر الصور مدى سعادته بما تم، وتكون المفاجأة الأكبر أن تصدر الأوامر بتقديم الفرقة عروضها في أسوان حيث بناة السد العالي من المهندسين والعمال والفلاحين، ويُصاب أعضاء الفرقة بالذهول من نوعية جمهورهم الجديد لكنهم يقدمون عروضهم بالنجاح ذاته، وتقول ماجدة صالح الباليرينا الأولى في الفرقة أن أكبر إطراء لها جاءها من نوبي عجوز تسلل إلى قاعة العرض بعد أن فرغت إلا منها ومنه وقال لها «ياسلام ياست! إيه الجمال ده؟» وهو أكبر دليل على خرافة أن الثقافة الرفيعة لا تلائم البسطاء وعلى أن المبدع صلاح جاهين لم يكن يهذي عندما كتب «تماثيل رخام عالترعة وأوبرا».

تدهورت الأمور بعد ذلك أيما تدهور، وغزت المجتمع المصري تيارات متخلفة بدعوى الدين ووصل الأمر إلى القول بأن 96% من ميزانية الوزارة يلتهمه بند المرتبات والأجور، وتوقعت أن تقوم الدنيا ولا تقعد فلم تقم أصلاً، وفي جلسة «الثقافة والتقدم» التي افتُتِح بها المؤتمر تحسر الفنان أشرف زكي على ما آل إليه حال مسارح الإسكندرية وإن زف إلينا بشرى أن عملاً يجري التخطيط له بالاشتراك مع مكتبة الإسكندرية لإعادة الحياة إلى مسارحها، وأُضيف أن السينما تحتاج بدورها نقلة نوعية لا فيما يتعلق بدور العرض فحسب وإنما أيضاً من منظور إنتاج الأفلام التي من شأنها تعزيز قيم الوطنية والتسامح والحرية والتنوير بدلاً من سيل الأفلام شديدة التفاهة وأحياناً البذاءة التي يصطدم المرء بإعلاناتها رغم أنفه في فضائيات تليفزيونية عديدة بينما تاريخ مصر حافل بقصص أبطال ومعارك وحروب من شأن معالجتها سينمائياً على نحو إبداعي أن يهزم أي أفكار متخلفة متطرفة مهما كانت.

فأين ذلك الفيلم الذي يليق بحرب أكتوبر أو بشهيد عظيم كعبد المنعم رياض أو إبراهيم الرفاعي، بل لقد ضربت مثلاً في الحوار بقصة البطل المصري العقيد رءوف محفوظ الذي كان قائد موقع شرم الشيخ إبان العدوان الثلاثي في 1956، وعندما صدرت الأوامر بالانسحاب من سيناء استأذن قيادته في أن يحارب لأخر طلقة فأذنت له ولم يسقط موقعه إلا بعد وقف إطلاق النار. أفلا يستحق هذا البطل ورجاله عملاً يخلد بطولاتهم ويعزز قيمة الوطنية التي يستخف بها المتطرفون خاصة وأنه وقائد أركان كتيبته مسيحيان مصريان ذابا في حب مصر وكان آخر عمل لهما في المعركة هو رفض تسليم صورة عبد الناصر الموجودة بالموقع للقائد الإسرائيلي. مازال أمام الثقافة إذن دور كبير تلعبه في مواجهة التطرف كما فعلت من قبل، وتتحمل الدولة مسئولية خاصة في هذا الصدد.

...عن «الأهرام» المصرية