المقدسيون في خضم مشروع ترامب!

بقلم: عزام توفيق ابو السعود

لا يقابلني أحد من المقدسيين إلا ويسألني عن مصيرنا كمقدسيين في خطة ترامب التي باتت معالمها واضحة للعيان ولا يكفي الناس أن أقول لهم أن القدس العربية ستكون في مهب الريح، وأن الريح عاتية، وأنها قد تغير مسارها لتصبح عاصفة ! فالمقدسيون لا يريدون كلاما صفصطائيا، أو بلاغة لغوية، أو كلاما رمزيا يفسره كل على هواه، بل يريدون أن يسمعوا تحليلا لما هم مقبلون عليه، وللخيارات الماثلة أمامهم، وكيف تكون ردة فعلهم على المستقبل المجهول المعلوم بعض تفاصيله، وغير المعلوم بعض نتائجه!

ترامب أعطى القدس للإسرائيليين، ويطلب من الفلسطينيين أن تكون لهم قدس بديلة ، أن يبنوا لنفسهم قدسا جديدة تكون عاصمة لهم، هذه القدس قد تكون في ابوديس ، او قد تكون في بيت حنينا - إذا تكرم نير بركات ( رئيس بلدية القدس) وأخرج بيت حنينا من حدود قدسه المفترضة!! لكن ترامب يريد البلدة القديمة كلها للإسرائيليين، هي والحوض المقدس الذي يشمل سلوان وواد الجوز وباب الساهرة وجبل الزيتون والشيخ جراح ! مقابل أن يسمح للفلسطينيين بزيارة المسجد الأقصى عبر طريق آمن ( للإسرائيليين طبعا) وهذا يعني عبر جسر معلق من الطور الى باب الرحمة على جثث الصحابة والمقدسيين قي تلك المقبرة ... أو عبر نفق يوصلهم من شعفاط الى باب المجلس، أو بقطار خفيف محصن لا يتوقف في اي محطة إلا في باب السلسلة، أو بالبراشوتات كإحتمال آخر!

وبالتأكيد ستكون هناك محطات مخصصة للمسيحيين العرب لزيارة القيامة فقط ، ذلك أن نير بركات، في تصريحاته الأخيرة، قال أنه سيفرض ضريبة أملاك على باقي الكنائس المسيحية في القدس التي يدعي انها ليست كنائس مخصصة للصلاة!!!

الجدار العنصري طبعاً سيتغير مكانه، ليس مهما إن كان سيقترب أو يبتعد عن القدس، ولكنه سيكون فاصلا بين القدس العربية الجديدة التي يريدنا أن نبنيها لتكون عاصمة لنا، وبين القدس التاريخية التي يريد أن يخص بها اليهود دون غيرهم من مسلمين أو مسيحيين!

سيكون لدينا فئتين من المقدسيين، الأولى هم سكان البلدة القديمة والحوض المقدس، والثانية بقية من معهم هوية القدس ويسكنون في اي مكان . هذه الفئة الثانية سيضمها ترامب للفلسطينيين .. اما الفئة الأولى فسيعطيهم الجنسية الإسرائيلية، وسيصبحون مثل فلسطينيي الداخل، مواطنون من الدرجة الثانية!!

إذا تساءل المقدسيون من الفئة الثانية عن حقوقهم، أو أملاكهم في المنطقة الأولى فستتم معالجة الأمور ماليا .. أي سيدفع لهم أرصدتهم او مخصصاتهم الاجتماعية أو تعويضا يعادل قيمتها الحالية، وبالتأكيد فإن هذه الحقوق هي بعشرات المئات من ملايين الدولارات، لكن ترامب بالتأكيد سيعتمد على السعودية والخليج كي يدفعوا هذه التعويضات عملا بالمثل الشعبي " من أدامه قليله" !! ولن يكلف الإسرائيليين او صناديقهم التقاعدية والإجتماعية والصحية، التي توجد بها اموال عرب القدس ومدخراتهم، أي شيء!

الما المقدسيون من الفئة الأولى ... فسيتم تخييرهم، إما بالحصول على الجنسية الإسرائيلية، أو الترحيل الى القدس العربية الجديدة ليصبح المقدسي فلسطينيا!! فإذا اختاروا البقاء، وهذا ما هو متوقع، فسيفرض علينا حمل الجنسية الإسرائيلية، وسيتم السيطرة على عقول الأجيال القادمة منا من خلال المناهج الدراسية ، ومن خلال جعل اللغة العبرية هي اللغة الأولى في التعليم، وللعرب الخيار بين اللغة الإنجليزية أو العربية كلغة ثانية، وقد يكون الإسرائيليون لطفاء بحيث تكون مناهجنا بثلاث لغات.. لكنهم سيحاولون ابتلاعنا في منظومتهم الحياتية والإجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية، وجيلا بعد جيل سيحاولون قتل الانتماء العروبي في دماء اجيالنا القادمة! هذا ما يريدون فعلا، الابقاء على 90 الف عربي وتجنيسهم بالجنسية الاسرائيلية، ضمن برنامج التجنيس الذي سيفرض على الدول المستضيفة للاجئين الفلسطينيين.. والتخلص من مائتي الف مقدسي بتجنيسهم فلسطينيا!!! وهذه هي قمة الكرم الترامبي الاسرائيلي!!

إن قيادتنا الفلسطينية متمثلة بالرئيس عباس رفضت الخطة الترامبية، وهو أمر متوقع، وسيرفضها بالطبع أي فلسطيني شريف. وهم ( ترامب والإسرائيليون) يرون في الرئيس عباس، أو الفلسطينيين طرفا في النزاع، لكنهم ليسوا طرفا مقررا، أي موافقتهم وعدم موافقتهم واحدة، فالحل سيفرض على الفلسطينيين فرضا، قبلوا به أم رفضوه، ولست أدري ردة الفعل الشعبية على هذا الحل كشعب وكسلطة؟ وهل ستكون المقاومة سلمية كما يريد الرئيس عباس؟ أم سيخرج الأمر عن السيطرة، وسيتصرف جيل الشباب بطريقة أخرى؟ وماذا سيكون موقف الشارع الفلسطيني لو قال الرئيس عباس: لقد حاولت أقصى جهدي للوصول الى حل عادل عن طريق المفاوضات ووصلت الى طريق مسدود، ولذلك سأترك السلطة !!!

أما في القدس فأمر فرض الحل على المقدسيين لن يكون مقبولا على الشارع الفلسطيني كما أتصور، كيف سيقاومه المقدسيون وخاصة جيل الشباب منهم ؟ جربنا هذا الجيل في احداث الأقصى في تموز الماضي..والشباب فرضوا موقفهم، فهل سنخوض تجربة أخرى ؟ هل ستكون الأيام القادمة أقسى وأصعب من الأيام الماضية ومن المصائب السابقة التي مررنا بها كفلسطينيين وكمقدسيين ؟! مجرد تساؤلات!

لك الله يا قدس .. ولا حول ولا قوة الا بالله..