أمريكا وروسيا يشعلان سباق الانتشار النووي

بقلم: الدكتور أحمد سيد أحمد

تسهم الإستراتيجية النووية الأمريكية الجديدة في اشتعال سباق الانتشار النووي في العالم وتعيد أجواء الحرب الباردة مرة أخرى وإن بشكل مختلف وتحمل مخاطر كبيرة على السلم والأمن الدوليين, ففي ظل الحرب البادرة شكلت الأسلحة النووية الإستراتيجية عامل ردع في اندلاع حروب أو مواجهات مباشرة بين القوتين العظميين آنذاك وهما الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي السابق ضمن ما عرف وقتها بتوازن الردع النووي, حيث كان كل طرف بما يمتلكه من ترسانة ضخمة من الرءوس النووية قادر على تدمير الآخر, بل وسعت روسيا(وريثة الاتحاد السوفيتي بترسانته النووية), وأمريكا إلى تخفيض مخزونهما الضخم من تلك الأسلحة, التي تطلق عبر الصواريخ الباليستية بعيدة المدى والقاذفات الإستراتيجية والغواصات النووية, من خلال معاهدتي ستارت في 2002 ونيو ستارت في 2010 حيث تمتلك روسيا 8500 رأس نووي, وتمتلك الولايات المتحدة 7700 رأس نووي, بما يشكلان 90% من الأسلحة النووية في العالم, بحيث يتم تخفيضها إلى 1550 رأسا نوويا لكل دولة خلال عشر سنوات أي بحلول عام 2020. لكن لم تعالج تلك الاتفاقيات الأسلحة النووية التكتيكية, أي الأصغر حجما وأقل تدميرا, وهو ما فتح الباب أمام روسيا وأمريكا للتوسع في إنتاج تلك الأسلحة ضمن ما يعرف بالعقيدة النووية الجديدة التي أعلنها الجيش الأمريكي ردا على توسع روسيا في تطوير تلك الأسلحة.

مكمن الخطر في الانتشار النووي الجديد أن الأسلحة النووية التكتيكية تغري باستخدامها من قبل الدولتين الكبريين في ظل تصاعد مصادر التهديد العالمي خاصة الإرهاب والتنظيمات الإرهابية, وفي ظل تصاعد حدة التنافس الإستراتيجي بين روسيا وأمريكا وتداخلهما في العديد من الأزمات في العالم, وفي ظل تغيرات كبرى شهدها النظام الدولي حيث تغير هيكله من نظام أحادي ساد خلال العقدين الماضيين وانفردت فيه الولايات المتحدة, إلى نظام دولي متعدد مع صعود روسيا اقتصاديا وعسكريا وتطويرها لأنواع جديدة من الأسلحة الإستراتيجية المتقدمة, أعلنت عن تجربتها لأول مرة في سوريا, خاصة القاذفات الإستراتيجية والأسلحة النووية التكتيكية, كذلك تطوير الصين لقدراتها العسكرية النووية والتقليدية, وترجمة قدراتها الاقتصادية الكبيرة إلى نفوذ, وأصبح لها دور متصاعد في تفاعلات السياسة الدولية والأزمات العالمية بعد أن ظلت فترات سابقة تنتهج سياسة الحياد والتركيز على النهوض الاقتصادي.

ولذلك فإن التوجه الأمريكي الجديد يركز على روسيا والصين كمنافسين إستراتيجيين بشكل أساسي, بالإضافة لإيران وكوريا الشمالية, وهو ما بدا في إستراتيجية الأمن القومي الأمريكي وتأكيد ترامب مفهوم السلام من خلال القوة, وأن الضعف يقود إلى النزاع, وانعكس ذلك في زيادة ميزانية الدفاع إلى أكثر من 700 مليار دولار لإعادة بناء الجيش الأمريكي لتكريس شعار أمريكا أولا. وبالتالي تقود واشنطن وموسكو العالم لسباق نووي للأسلحة التكتيكية, يمثل انتهاكا واضحا لمعاهدة حظر الانتشار النووي, رغم أنه لا يخالف معاهدة ستارت, ويفكك منظمة الأمم المتحدة والقانون الدولي ويقوض دور مجلسي الأمن في الحفاظ على السلم والأمن الدوليين, ويغري دولا مارقة مثل كوريا الشمالية وإيران إلى امتلاك السلاح النووي التقليدي والسعى للحصول عليه من دول مثل روسيا والصين, وهو ما يقود العالم إلى مرحلة جديدة من الاضطراب والدمار.

كما أن الخطر أيضا هو تزايد احتمالات حصول التنظيمات الإرهابية مثل القاعدة وداعش بالإضافة إلى بعض الأنظمة المتشددة مثل إيران، على تلك الأسلحة واستخدامها في الصراعات والحروب الأهلية المنتشرة في خاصة في منطقة الشرق الأوسط, باعتبارها أقل تدميرا وأسهل استخداما. ورغم أن الانتشار النووي التقليدي شكل أحد مصادر تهديد السلم والأمن الدوليين, وتراجع فيما بعد الحرب الباردة لمصلحة صعود مصادر أخرى مثل الإرهاب والحروب الأهلية, إلا أن الانتشار النووي الجديد للأسلحة التكتيكية, يمثل مصدرا مركبا لأنه يتداخل مع الإرهاب والصراعات الداخلية وهو ما يعني زيادة ضحايا الحروب والصراعات في العالم.

وبدلا من أن تقود الدول الكبرى مثل أمريكا وروسيا والصين النظام الدولي بشكل رشيد وتسعى لنزع السلاح النووي وانتهاج سياسة المواجهة الحاسمة للدول المارقة مثل كوريا الشمالية وإيران التي تدعم الإرهاب في المنطقة عبر أذرعها العسكرية الإرهابية مثل حزب الله وميلشيا الحوثي والتنظيمات الشيعية الموالية في العراق وسوريا, وتعمل تلك الدول على تحقيق الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط. وبدلا من العمل على توجيه الموارد صوب التنمية في عالم يزداد فيه معدلات الفقر والمجاعة والأمراض والبطالة واللاجئين والمهاجرين, والعمل المشترك لحل الأزمات والصراعات بصورة سلمية وإطفاء النيران المشتعلة في كثير من مناطق العالم المختلفة, فإن توجه الدول الكبرى صوب إشعال السباق النووي من جديد ينذر بكوارث كبيرة على البشرية.

ومع تراجع خطر الإرهاب بعد اندحار التنظيمات الإرهابية مثل داعش وغيرها بعد الهزائم الكبيرة التي تعرضت لها في العراق وسوريا, يهدد الانتشار النووي من جديد السلم العالمي, ولكن بصورة أكثر ضراوة وفتكا في وقت يحتاج فيه العالم إلى التكاتف والتعاون بين دوله لمعالجة أزماته ومشكلاته وتحدياته المتزايدة وغير المسبوقة.

...عن «الأهرام» المصرية