ما يصنعه ترامب لا يصب في مصلحتكم في نهاية المطاف

يا معشر اليهود صديقك من صدَقَك لا من صَدَّقك..

ما يصنعه ترامب لا يصب في مصلحتكم في نهاية المطاف

د. حمزة ذيب مصطفى - جامعة القدس

بما أن هذه المقالة موجهة لليهود يلزمني أن أوضح المثل العربي السائر حتى تؤتي المقالة أكلها وتفهم في سياقها الذي أردته. يضرب هذا المثل لمن أردت نصحه فتقول: إن الشخص الذي يحبك ومن تتخذه صديقا وصاحبا هو الذي ينصحك ويبين لك الأمر على حقيقته ويرفض أن يجاملك إذا كانت هذه المجاملة فيها المخادعة وعدم المصارحة الصحيحة. فتكون المصادقة هنا والموافقة ممن تتخذه صديقا نوعا من المخاتلة والنفاق. فالوضوح أفضل والصداقة في مرارتها خير من النفاق في حلاوته. فالصديق الذي يحبك ويخلص لك وتهمه مصلحتك يصارحك ويكون لك ناصحا أمينا فيصدقك القول. وإذا رأى منك خللا أو خطأ أو خطيئة نصحك ونهاك وزجرك ولا يجاملك على خلل أو خطأ أوخطيئة. وإذا قلت له قولا غير صائب بين لك عوار هذا القول والخلل في هذا القول وعدم صوابه لأنه يحبك ويحب مصلحتك ويتطلع إلى حسن العاقبة لديك.

أما الصديق الذي يُصَدِّقُك ويوافقك على كل ما تقول فهو إما أنه غير مخلص في صداقته وصحبته لك وبالتالي يجاملك ويوافقك ويضن عليك بالحقيقة والحق وهذا عدو في ثوب صديق، وإما أنه جاهل غير عارف بما تقوله فلا يفرق ما بين الصواب والخطأ والحقيقة والترهات، فلا قدرة لديه لمعرفة وإحقاق الحق وإبطال الباطل. فهذا جاهل يُرفض لا صديق يُقبل. أما الذي ينير لك الدروب ويقدم لك النصح ويبين لك أخطاءك كي تتجنبها وصوابك كي تؤكد عليه وتثبت على نهجه، ويفرِّق لك ما بين حق يُتبع وباطل يُتجنب أو ظلم تأتيه للآخرين فيأخذ بيدك كي ينأى بك عن هذا الظلم ، إذ الظلم مرتعه وخيم، وعاقبة الظلم قاسية وشديدة أو عدل يدلك عليه كي يكون لك نهجا في حياتك وعند تعاملك مع الآخرين.

من هذا المثل الذي صدرته عنوانا للمقالة سألج وسأدلف إلى الموضوع الذي أريد. نحن نقول أيضا في المثل السائر " ليس كل ما يلمع ذهباً " فحذار من الاغترار وحذار من عدم المعرفة، وكل الحذر من أن يغدر الإنسان في شيء من الأشياء أو في شخص من الأشخاص . فأحيانا من تراهن عليه جملا يتمخض عن فأر وأحيانا ترى إنسانا ما فيغررك ويخدعك شخصه أو ملبسه كما قال الشاعر:

تـرى الـرجـل الـنـحـيـف فـتـزدريـه وفـي أثـوابـه أسـد مـزيـر

ويـعـجـبـك الـطـريـر فـتـبـتـلـيـه فـيـخـلـف ظـنـك الـرجـل الـطـريـر

على الإنسان أن يرى الأشياء على حقيقتها ويعرفها بجوهرها ، ولا ينخدع أو يغتر بمنظر من المناظر أو بشيء من الأشياء ظاهره فيه الرحمة وباطنه من قبله العذاب. ترى معدنا أصفرا لامعا فتظنه ذهبا فتجمع منه الكثير وإذا به معدن لا يمت إلى الذهب بصلة فتتفاجأ ويُسقط في يديك. فالإنسان العاقل هو الذي يقف على حقائق الأمور والإنسان الرشيد والمرء القائد العارف لا تغره المواقف السريعة والقرارات المرتجلة غير المدروسة. في كثير من الأحيان يصف الطبيب المعالج الدواء المر للمريض، وأحيانا يخز الطبيب المعالج المريض بعدد كبير من الإبر الموجعة، بل قد يلجأ أحيانا لبتر عضو من المريض أو يشق بطنه أو صدره. لأن الأمر يتطلب علاجا قاسيا من هذا النوع حتى يبرأ المريض ويتعافى الجسد مما هو فيه من مرض قد يفتك بحياته إن لم يعالجه ولو بصورة صعبة.

أما الطبيب الذي يجامل المريض ويوهمه ألا شيء عنده ولا مرض لديه وصحته جيدة وسرعان ما يثوب إلى وضعه الطبيعي وأن مثل هذا الآلام ما هي إلا آلام كاذبة لا تدل ولا تشير إلى حقيقة مرض في الجسم، ويصف هذا الطبيب للمريض أيما علاج يسير ويقول له: إمض فلا شيء لديك، فهذا طبيب غير صادق ولا مخلص، ومعاينته لن تعود إلى عافية، وهو مخادع مخاتل. والذي أذكره مثالا هنا أو أمثلة هو الذي يصدق على الساسة الإسرائيليين الحاليين.

لقد بهر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بقراره الأخير غير المدروس الساسة الإسرائيليين والذي اعترف فيه ونص على القدس كلها بغربها وشرقها عاصمة لإسرائيل، وسينقل السفارة الأمريكية في غضون عام إلى القدس ناقلا لها من تل أبيب. سر الكثير من اليهود بهذا القرار وطبلوا وزمروا، ورقصوا ولعبوا، وأثيرت عواطفهم وصفقوا بحرارة لهذا القرار. علما أن من لديه بعد نظر يدرك تماما أن القرار ليس في مصلحة اليهود ولا في مصلحة إسرائيل، بل هذا القرار سيزيد السخطة على اليهود وسيزيد الغضب عليهم وعدم الرضا بهم ولا بوجودهم وسيكسبون الكثير من الأحقاد والانتقادات وسيؤلب القلوب والنفوس عليهم أكثر فأكثر لا على الساحة الفلسطينية وحدها ولا حتى على الساحة العربية والإسلامية وحسب، بل أيضا على الساحة الأوروبية والدولية بشكل عام. وما المكسب وما النفوذ المجتمعي والدولي الذي كسبته إسرائيل حين تخسر المحيط برمته وكل الدوائر التي توصلها بما هو أعم وأكبر بل والمحيط الدولي كله.

ليتساءل مَنْ مِنْ دول العالم أيد ترامب وإسرائيل من خلفه على هذا القرار؟ مَنْ مِن دول العالم لاقى هذا القرار وإسرائيل من خلفه لديها ترحابا واحتراما؟ ما الشيء الإيجابي الذي حازت عليه إسرائيل لدى كل دول العالم - باستثناء أمريكا - مما ينعكس عليها صحة وعافية وقبولا؟ هل يطيل ترامب وإسرائيل من خلفه عمر هذه الدويلة في منطقة تزخر برفضها وعدم القبول بها؟ أم أن هذا القرار سيزيد من عزلة إسرائيل على الصعيد المحلي والإقليمي والدولي؟ أم أن هذا القرار سيضع إسرائيل في زاوية ضيقة من زوايا النقد واللوم أيضا على الصعيد المحلي والإقليمي والدولي؟ هل استطاعت إسرائيل أن تكسب وجودها في المنطقة بهذا القرار الفج غير المدروس؟

إذا كانت إسرائيل تراهن على منطق القوة وحده بغض النظر عن العدل أو الظلم في ذلك، بغض النظر عن الحق أو الباطل، صوابا كان هذا الرأي أم خطأ فهي مخطئة لا محالة. لأن القوة وحدها لا تدوم، بل القوة وحدها لا تكفي ولا تسعف على الدوام، فقد تكون إسعافا أوليا لكن لن تكون هي العلاج الدائم والعلاج الناجع.

لا بد من المراهنة - بالإضافة إلى القوة - على العدل والحق والصواب. والمراهنة على العدل الحق والصواب والمنطق أكثر صوابا وأكثر اعتدالا في النهج وأطول عمرا حتى عند الصراع، وحتى عند الخلاف والاختلاف. فإذا ما تصور الساسة الإسرائيليون أنهم بهذا القرار الخاطئ يزيدون إسرائيل قوة على قوة، واستقراراً على استقرار فهم واهمون ومخطئون. وإذا ما تصور الساسة الإسرائيليون أنهم بهذا القرار سيزيدون نفوذ إسرائيل ويطيلون في عمرها فهم لا يتمتعون ببعد النظر والنضج في الحكمة.

يلزم الساسة الإسرائيليين أن يراهنوا على السلام مع شعوب المنطقة وأن يمدوا لهم يد الحوار ويد التفاهم ويد المنطق. يلزم الساسة الإسرائيليين أن يتبينوا سياسات العدالة والحق والصواب مع الشعب الفلسطيني أولاً حيث هو صاحب الأرض والحق ثم مع شعوب الدول العربية والإسلامية التي ترنو وتتطلع ليل نهار للقدس والمسجد الأقصى الذي على ثراها .

الشعوب العربية والإسلامية تتطلع إلى المسجد الأقصى أولى القبلتين وثاني المسجدين وثالث الحرمين الشريفين على أنه جزء من عقيدتها ودينها. والشعب الفلسطيني هو بوابة اسرائيل إلى الحرب وهو بوابتها إلى السلام في الوقت نفسه. يبدو أن الساسة الإسرائيليين لا يقرؤون التاريخ ولا يعتبرون من الماضي القريب ولا الماضي السحيق. لعلهم يظنون أنهم الوحيدون الذين قد أتوا على هذه المنطقة ولن يغادروها البتة. لعلهم يظنون أنهم الوحيدون الذين لهم الارتباط الديني والعقدي مع هذه الأرض المقدسة؟

الذي لا يعتبر من الماضي ولا يعتبر من غيره فلن يقود ذاته إلى نجاح واستقرار. الذي يصر على أن يخوض البحر المتلاطم الأمواج ولا يريد أن يعرف ممن سبقه أن هذا البحر عميق جدا سيغرق لا محالة.

لا يصح للساسة الإسرائيليين أن يراهنوا دوما على مفاوضات عبثية يقصدون بها تمضية الوقت دونما نتيجة تذكر من خلال هذه المفاوضات وكأنها ضحك على الذقون. لا يصح للساسة الإسرائيليين أن يراهنوا دوما على ضعف المفاوض الفلسطيني الذي هو أمامهم. فالفلسطيني من حقه هو أقوى من كل عدد وأمضى من كل سلاح. ثم لا يبقى القوي قويا ولا الضعيف ضعيفا.