فلسطين على أبواب ولادة جديدة

بقلم: د. أحمد قطامش

الحلقة الثالثة

العوامل الأبرز التي تحرض على ولادة مرحلة جديدة:

اولا: العامل الذاتي الفلسطيني، فهناك 13 مليونا، نصفهم في الداخل ونصفهم في الشتات، من بينهم ليس اقل من 5 ملايين من الفئة الشبابية، وهؤلاء ان تعددت انتماءاتهم الطبقية والفكرية وتفاوتت اهتماماتهم فهم فئة حيوية واكثر تعليما وتطلعا للحرية ولا مخرج لمعضلاتها من البطالة والفقر والتهميش والمستقبل الضبابي الا بانخراطها في صنع مستقبلها. ولئن قال لينين (ان حزبنا حزب الشباب والمستقبل ملك الشباب وهم اول من يبادر الى التضحية) فظاهرة عالمية واسعة تزّكي هذا الاستخلاص ولا سيما من الطبقة الوسطى ومنبعها الجامعات (اضافة للعمال والكادحين).

ويكفي تذكر ان قوة العمل في الضفة وغزة تربو على 1،2 مليون اكثر من 400 الف عاطل عن العمل، ومن بين اكثر من 450 الف خريج جامعي اكثر من نصفهم بلا عمل ونسب قريبة من ذلك في التجمعات الاخرى ناهيكم ان اكبر تمركز للشباب الفلسطيني هو في جامعات الضفة وغزة بما يزيد عن 220 الفا يليهم العمال الذين يشكلون نحو 20% من قوة العمل بما يلازمهم من تبعثر وعدم استقرار الامر الذي يسمح بالقول (انهم طبقة في ذاتها اكثر منهم طبقة لذاتها) حسب التعبير الماركسي، فيكون بذلك هذين المركبين اكبر رافد للنضال الفلسطيني.

وثمة اختناق في فرص التنمية الاقتصادية. ففيما عدا أفراد وعوائل من الرأسمالية الخدمية والكومبرادورية فالمراوحة هي السمة الملازمة للبرجوازية الفلسطينية في شطري 67 و 48. ومنذ عقود وحتى اللحظة هناك 10 مصانع فيها 100 عامل واكثر وضعفهم فيها بين 50 – 100 عامل، ولا احد من بين هؤلاء في 48. فالبرجوازية محجوز على تطورها بينما سوقها الوطنية مستباحة من الشركات الاسرائيلية والاجنبية بما يتناقض نسبيا مع تطلعاتها ويزيدها توتراً اكتساح البرجوازية الكومبرادورية والبيروقراطية للمشهد الاقتصادي والسياسي.

ومرحلة اوسلو وما حايثها من سياسات ليبرالية جديدة فاقمت ازمات الاقتصاد الفلسطيني وزادته الحاقا ومحوطة الى درجة ان يختل الميزان التجاري للضفة وغزة على نحو مريع، فيبلغ حجم الصادرات مليار دولار والواردات اكثر من 5 مليار دولار في وقت يبلغ حجم الانتاج الوطني مجرد 10 مليار دولار او اكثر بقليل في حالة احتساب الاقتصاد غير الرسمي. أما فلسطينيو الداخل فهم قوة عمل في الورش والمشاريع اليهودية لا اكثر وبلداتهم "فنادق سكن" لا اكثر وبطالتهم ضعف البطالة في المجتمع اليهودي ومعدل اجورهم لا يصل 64% من أجرة العامل اليهودي دون اي موازنات تطويرية للسلطات المحلية.

اما الارض فهي على جانبي الحدود تتعرض للنهب والمصادرة ولم يتبق للفلسطيني في الداخل الذي يشكل 17% من السكان سوى 4% ولا يستهلك من الماء سوى 2%. وفي 67 بعد استقطاع 6% للمستوطنات والطرق الالتفافية والسيطرة الاحتلالية على الاغوار التي تشكل 27% من الضفة و13% وراء الجدار و 17% القدس لا يتبقى الكثير من الارض المقطعة الاوصال والمدن المحاصرة بالمستوطنات.

ويناهز اللاجئ الفلسطيني الذي يشكل أكثر من 60% من الشعب سواء في الداخل او الخارج فحقه بالعودة مشطوب تماما في التصور الاسرائيلي - الامريكي. وفي "اوسلو" تم ترحيل هذا الملف اما في "جنيف" فقد خضع للسيادة الاسرائيلية مع عودة رمزية لم تنفذ على غرار الوعود بعودة 100الف بعد نكبة 48. واللاجئون هم "الشريحة" الاكثر انخراطا في المسيرة التحررية كما تذكر احصاءات الشهداء وهم 68% حسب استبيانين شاركت في اعدادهما في سجني النقب وعوفر بين 1994 و 2012.

وعن القدس، المرآة المقعّرة للصراع، جاء اعلان ترامب ليحدد مصيرها السياسي والقانوني حسب الرؤية الامريكية بما يفتح المجال لهجمة استيطانية كولونيالية مكثفة واجراءات متعددة تستهدف الفلسطينيين في املاكهم ووجودهم، بل وتوسيع الحفريات تحت الاقصى والتهيؤ لبناء الهيكل ارتباطا بعقيدة ظهور البقرة الحمراء وعودة المسيح المنقذ وتأييد عشرات الملايين من الكنيسة الانجليكانية الامريكية لهذه الاسطورة!!

ان ما جرى لفلسطين 48 ينسحب بجلاء على فلسطين 67، اما العقبة الكأداء فهي الوجود الفلسطيني وإرادته دون نسيان تطلعات السياسة الاسرائيلية التي تجاوز فلسطين (انتم مجرد قضية ثانوية) وزير التعليم بينيت، الى الخليج والعواصم العربية الاخرى الامر الذي عكسه كتاب بيرس (شرق اوسط جديد) يتحد فيه الرأسمال العربي والعقل اليهودي بقيادة اسرائيلية. وهناك افصاح في العلن لبعض ما يجري في السر لهذه العلاقة علاوة على وجود سفارتين اسرائيليتن في القاهرة وعمان واتفاق مع "الفلسطينيين". وبالتالي لم يعد امام الفلسطيني الساعي لوطنه وحريته الا المواجهة، ولكن هل الشعب الفلسطيني قادر على المواجهة؟

ان اهم معالم تجذر الوطنية الفلسطينية هو تجلياتها السياسية - الكفاحية. فالمشهد الفلسطيني اليوم مجمع على رفض اعلان ترامب والسياسات الاحتلالية ويشارك في الفعل الميداني الاحتجاجي.. وفي اعماقه لا يخفي تعطشه لنهوض وطني عارم يتناغم مع تحذيرات دوائر اسرائيلية من انتفاضة ثالثة.

اذ رغم عشرات السنين من محاولات التدجين والاسرلة لفلسطينيي الداخل فإن صوتهم الاعلى هو القواسم المشتركة دفاعا عن انتمائهم الوطني وحقوقهم الجماعية. اما في 67 فإن اكثر الاصوات اعتدالا ادار ظهره للوسيط الامريكي ويطالب بقدس ودولة.

اما القاعدة الشعبية وامتدادات مختلف الفصائل "والمجتمع المدني" والتحركات الشبابية فهم على يسار القيادات وفاعليات الميدان تقف على يسار الجميع. والاجراءات التصعيدية لادارة ترامب وحكومة نتنياهو انما ينجم عنها فيما ينجم انحياز فئات مترددة وواهمة للموقف المناهض. فالعظمة تصغر وتصغر والهراوة تكبر وتكبر.

والاستطلاعات التالية تحمل بعض الدلالات:

المركز الفلسطيني للاحصاء في آذار 2016 يشير الى ان 79% من الشباب يعطون الاولوية لدحر الاحتلال والاستقلال.

ومركز البحوث والتنمية اوراد اشار الى عدم استعداد 69% من الشباب المشاركة في تظاهرات اذا دعت اليها فتح و79% اذا دعت لها حماس (نيسان 2016).

بينما ايد 76% من شباب غزة عمليات الطعن والدهس وفي الضفة 46% (المرجع السابق الشباب الفلسطيني والمصير الوطني).

كل ذلك قبيل اعلان ترامب وصفقة القرن فما بالكم الان! دون نسيان ان امكانات قطاع غزة، رغم الحصار والتجويع، وتحديدا في الحقل القتالي، هي اعلى من اي تجمع فلسطيني آخر، وقد اسقطت في تصديها لثلاثة عدوانات واسعة المقولة الاسرائيلية "اذا ذهبت للحرب مع العرب تسلح بالورود" وبات لديها قدر ما من قوة الردع وقدر على تكبيد العدو خسائر موجعة.

ولما نشأت نصف شروط لقاعدة ارتكاز في الاردن ولبنان بعد حرب 1967 رأينا نهوضا سريعا للمقاومة، دون انتفاء امكانية نشوء بيئة ملائمة في قادم السنين في ساحات "محور المقاومة".

اما الضفة والداخل فهما طاقة كامنة كبيرة لتحركات شعبية ومظاهر عصيانية وانتفاضية وان كانتا تخضعان للسيطرة الامنية الاسرائيلية. ولأن الوضع غير ستاتيكي، ففي التحليل لا يجوز اغفال احتمالية "لعبة" امريكية -اسرائيلية تحاول كسر وبعثرة الموقف الفلسطيني الموحد حيال اعلان ترامب وصفقة القرن. ولكن مهما كانت "الجزرة" فهي لن تستطيع اجتذاب قاعدة شعبية واسعة.

ثانيا: العامل الموضوعي العربي والاقليمي: ليس للتاريخ مكره فقط حسب التعبير الهيجلي بل وله مفاجآته ايضا. فالاتحاد السوفييتي الذي دمرت له الحرب العالمية الثانية 20 الف مدينة وقتلت 27 مليونا من مواطنيه اعاد انتاجه القومي بعد خمسة اعوام وبات دولة نووية عظمى. "والحرب الكونية" على سوريا، بشكل اخص، افضت لنشوء محور المقاومة الذي سحق اعتى قوة دموية متطرفة مسنودة من دول اقليمية وعالمية، علاوة على انتصارات العراق وانتقال حزب الله من دور لبناني الى دور قومي وبات اكثر عدداً وعدة وخبرة، كل ذلك في اطار محور يتطلع لنفسه من موقع المنتصر الذي ينبغي ان يكون له الكلمة العليا في رسم مستقبل الشرق الاوسط وفي مواجهة لا هوادة فيها مع مشاريع الهيمنة الامبريالية وامتداداتها.

وهذا تغير استراتيجي سوف تشير روزنامة الزمن لما قبله ولما بعده. والقضية الفلسطينية هي احد مربعات الصراع بين اطراف صفقة القرن، من جهة والمحور النقيض من جهة اخرى حيث تتصادم مصالحهما ورؤيتهما ويتعذر التجسير بينهما، بما يحمله ذلك من احتمالات مفتوحة على كل الخيارات.

وفي هذا السياق يتعين التنويه لتحولين الأول: لقد تم تجاوز سايكس بيكو سواء من قبل الدواعش، أو من قبل نقيضهم، ولم يعد ممكنا اليوم صلب الحركة الموضوعية في الاطر القطرية. فعلاوة على أن المشروع القطري استنفد طاقته التقدمية منذ عقود، بل وكان في عداد احد اسباب الأزمة ايضا، فقد تجاوزه محور المقاومة، بما يفتح الطريق لخطوات على طريق مشروع عربي نهضوي مقاوم وسيادي.

والتحول الثاني، ان المخطط المعادي استنفر تقاطعات وصلت احيانا حد التحالف بين قوى محلية (سوريا وحزب الله) واقليمية (ايران) وعالمية (خصوصا روسيا) للقتال صفا واحدا ضد الهيمنة الامريكية والارهاب الدموي التكفيري، اضافة لقوى شعبية اخرى مع خصوصية في فهم الوضعية العراقية.

وما ينبغي لفت النظر اليه، ان قوى شعبية وازنة وليس مجرد ديكورات او شعارات، باتت تصطف في محور المقاومة. اي ليس حزب الله فقط بل والحشد الشعبي سيما كتائب حزب الله والحوثيين الذين يحكمون معظم اليمن سكانا ومدنا وفي ايديهم السيطرة على باب المندب بما له من اهمية عالمية، وفرق اخرى في لبنان وغير لبنان.

وهذا كله سيكون له اسقاطاته الدامغة على فلسطين وخيارات فصائلها. دون نسيان اسقاطات العامل المصري بما له من ثقل. فمصر تواجه تحديات كبرى والارهاب شديد المراس والازمة الاقتصادية واحد اسبابها ترجمات الليبرالية الجديدة، حيث انفلات الاسعار وتزايد البطالة ومديونية مصر التي تجاوزت 80 مليار دولار، وعجز في الموازنة يصل 10% سنوياً وميزان تجاري خاسر (صادرات 32 مليار وواردات 58 مليار) + ازمة الديمقراطية+ تسارع التقاطب في الاقليم بما يستحث الجدلية الداخلية المشحونة بكل الفرص والمسارات.

ثالثا: تراجع هيبة ونفوذ القطب الامريكي في الاقليم والعالم. فمن ظهور محور البريكس ومنظمة شينغهاي المنافستان، الى المد اليساري في القارة اللاتينية (الحديقة الخلفية) رغم التقلبات، مروراً بنجاحات الديبلوماسية الروسية في غير بقعة سيما سوريا واوكرانيا، وصولا الى اندفاعة المشروع التنموي الصيني الى درجة ان يصبح لدى الصين رصيداً يناهز 3 تريليون دولار ومديونية على امريكا تتجاوز 1،1 تريليون دولار امريكي واعتبار صندوق النقد الدولي الصين اكبر جاذب للاستثمارات.

كل هذا وسواه رفع من اسهم القوى المناهضة للهيمنة الامريكية، وانتقال العالم من احادية القطبية الى تعددية القطبية دون اغفال الجفوة والفجوة بين عواصم الامبريالية الاوروبية وواشنطن.

فالمشهد العالمي يصطخب بتحولات يمكن الافادة منها من كل من يعتزم التمسك بحقوقه وسيادته في وجه عولمة متوحشة. ولدى سوريا والعراق كما ايران ما يغري روسيا والصين واوروبا، الامر الذي انعكس في الموقف من الملف النووي والرئيس السوري واعلان ترامب. وتركيا اردوغان الى اين هي ذاهبة بعد فشل المشروع العثماني و (من صفر مشاكل الى كل مشاكل) فيما مصالحها الحقيقية مع الجنوب والشرق وليس مع الغرب الذي يسد ابوابه؟

وقصارى القول، هناك عوامل في البيئة الاقليمية والدولية يمكن الاتكاء عليها للمواجهة.