ماذا قال حبش عن القدس ؟

بقلم: حمدي فراج

"الباطل القوي قادر على إلحاق الهزيمة تلو الأخرى بالحق الضعيف"، هذا ما كان الرفيق الكبير المرحوم جورج حبش قد قاله في مقابلة مطولة لصحيفة "الدستور" الاردنية اجراها معه الباحث نواف الزرو عام 1998 ، بمناسبة مرور خمسين سنة على النكبة وقيام اسرائيل .

اليوم مضت على هذه المقابلة عشرون سنة وعلى رحيل حبش عشر سنوات وعلى النكبة وقيام اسرائيل سبعون سنة ، في ظل ظروف تتصاعد فيها ألسنة اللهب الامريكية والاسرائيلية والرجعية العربية لتصفية القضية الفلسطينية من خلال ما أطلق عليه "صفقة القرن" التي يمحي فيها الرئيس الامريكي ترامب جميع الثوابت ممثلة في القدس وعودة اللاجئين وتشريع المستوطنات بجرة قلم .

فما الذي قاله الحكيم عن القدس قبل عشرين سنة ، نسوقه اليوم في ذكرى رحيله العاشرة علّنا لا نكون قد تأخرنا كثيرا في تناوله. يقول : إن مواجهة محنة القدس لا يمكن أن تتم بالكلام والشعارات والخطابات، فالقدس تتعرض للتدمير التاريخي والاستيطان الصهيوني من داخلها ومن خارجها، وتشريد أهلها وطردهم بصورة ممنهجة عبر منعهم من العودة إليها ورفض تجديد هوياتهم، واحتلال بيوتها شبرا شبرا ونبش الانفاق تحت مقدساتها الإسلامية والمسيحية بحثا عن هيكل يهودي مزعوم، والإعلان صباح مساء بأنها عاصمة إسرائيل الأبدية وكل ما يمكن الحديث عنه بعض الوظائف الإدارية للعرب ضمن السيادة الإسرائيلية، كل ذلك يجري والعرب والمسلمون يتخذون القرارات ويؤلفون اللجان، ويحيون الاحتفالات والمهرجانات والبيانات ، كل هذا لن يحمي بيتا عربيا واحدا في القدس . ان التحدي يحتاج لسياسة حازمة تتلازم مع خطوات سياسية واقتصادية وضغط عربي – إسلامي – مسيحي شامل يرتكز إلى موقف واضح ونهائي بأن لا سلام ولا حل ولا أمن في المنطقة بدون القدس . إلى جانب ذلك ضرورة تقديم الدعم المادي المنظم لإسناد صمود المواطنين العرب في المدينة والحفاظ على مقدساتها وترميم آثارها . وفلسطينيا ، رفض كل المناورات الصهيونية مثل الصلاحيات الإدارية أو الدينية، أو استبدال القدس بأحدى الضواحي مثل العيزرية أو أبو ديس . محنة القدس ليست مفصولة عن محنة فلسطين والشعب الفلسطيني، فلا يمكن أن تكون القدس بخير في الوقت الذي يجري فيه تبديد حقوق الشعب الفلسطيني، ومن الخطأ الفادح وضع شكل من أشكال النضال في مواجهة الآخر، فلوحة الصراع تحتمل الرصاصة والطائرة والحجر، والمظاهرة، وحق التعليم، وحماية المياه والجامعة والشجرة والتنمية الأساسية … الخ . على أساس تكامل وتساند كافة الأشكال وليس تناقضها .

ان المشروع الصهيوني الذي تخطى مراحل التأسيس وحقق انجازات واضحة ضد الأمة العربية تتجه حركته الداخلية سياسيا واقتصاديا وفكريا نحو المزيد من التطرف والعنصرية .

منذ مؤتمر مدريد وحتى الآن، يشير إلى أن تلك المشاريع لم تكن بأي حال مشاريعا للتسوية، وإنما مشاريعا لفرض الهزيمة والاستسلام على الأطراف العربية .

عندما أنظر إلى الإمكانات العربية الاقتصادية والسياسية والبشرية والعلمية، وعمليات التبديد والهدر التي تجري لثرواتنا وأبرزها نعمة النفط التي تحولت إلى نقمة اقتصادية وثقافية اشعر بالألم والغضب.