القدس في أسواق النخاسة العربية والأميركية

بقلم: يوسف قطينة

القدس إسلامية بقرار رباني، أصدره الله - عز وعلا - في كتابه العزيز قبل أكثر من أربعة عشر قرنا من الزمان، وهذا القرار الرباني باق الى ان يرث الله الارض ومن عليها، ولا تملك اية قوة ، مهما طغت وتجبرت واستكبرت ان تغيره، وكذلك لا يحق لأي مسلم، ايا كان رئيساً او ملكاً او غير ذلك، ان يعبث بهذا القرار، أو أن يحاول طمسه أو إلغاءه من أجل مكاسب شخصية، او سعيا لنيل رضا حاكم لدولة عظمى كالولايات المتحدة.

وقرار المولى - عز وجل- بإسلامية القدس ومسجدها الاقصى المبارك الذي بوركت أرض فلسطين بأسرها ببركته لا يلغيه احتلال غاشم، ولا تخاذل مسلمين في عصر من العصور، ولا عهد من عهود الذلة والهوان والاستخذاء ،لأنه -سبحانه وتعالى- عندما يحكم لا يقوى أحد، مهما امتلك من أسباب القوة، ومهما طغى وتجبر واستعلى ان يعترض على حكمه او ان يعقب عليه، " والله يحكم لا معقب لحكمه وهو سريع الحساب" سورة الرعد آية ٤١، والمعقب هو الذي يعقب عملاً، اي يتبعه، فيبطله ويلغيه.

وإذا كان المسلمون عبر تاريخهم الطويل الممتد، يمرون بفترات ضعف وهوان ومذلة، جراء نزاعاتهم وانشغالهم بصغائر الأمور عن عظائم الامور، فيستغل أعداؤهم ذلك، فينتهكون مقدساتهم ويحتلون أوطانهم ، ويمعنون فيهم قتلاً وتشريداً وتعذيباً واهانة، فإن ذلك لا يعني ان هذا الضعف والهوان والاستخذاء سرمدي ودائم لا يزول، بل ذلك مؤقت وطارىء، وفي النهاية ينقشع ويزول، لأن هذه سنة الحياة، كما قررها الله - عز وجل- فالايام دول، ومصداق ذلك قوله - سبحانه وتعالى - "وتلك الأيام نداولها بين الناس" سورة آل عمران آية ٠٤١

وقد اتفق المؤرخون المسلمون القدامى على ان القدس هي المرآة التي تعكس بجلاء حاضر المسلمين وواقعهم، فإذا كانت القدس في عزة ، فذلك عائد الى ان المسلمين في عزة ومنعة وقوة ومهابة، والعكس هو الصحيح، فإذا كانوا في خوار وهوان ومذلة، فإن القدس تغدو أسيرة أعدائهم.

ومن هذه الحقيقة جاء احتلال الغزاة الفرنجة

(الصليبيين) القدس في الرابع عشر من شهر تموز من سنة ١٠٩٩ للميلاد، ولم يجد المقدسيون يوم ذاك ملجأ يلجأون اليه، سوى المسجد الاقصى المبارك، لكن أولئك الغزاة لم يراعوا حرمة ولا قدسية ذلك المسجد المبارك، ولا كون اللاجئين اليه عزلا من السلاح، وان اكثرهم من النساء والأطفال فارتكبوا مجزرة مروعة بحقهم، حيث ذبحوا وقتلوا سبعين الفا في ساحات المسجد المبارك، وحينما توجه قائد الغزاة، ريموند الى تلك الساحات شق طريقه بين دماء اولئك الابرياء، اذ بلغت الدماء ركبتيه.

وقد استمر احتلال الصليبيين للقدس ثمان وثمانين سنة، حيث حررها الناصر صلاح الدين، عقب انتصاره المؤازر على الصليبيين في معركة حطين الخالدة في عام ١١٨٧ للميلاد، وهكذا عادت المدينة المقدسة، بيت المقدس الى حوزة الاسلام، وعاد الاذان مجدداً يصدح من على مآذن المسجد الاقصى المبارك.

ولكن بعد وفاة صلاح الدين الايوبي سنة ١١٩٣ للميلاد، تنازع أبناؤه على الحكم، وفرطوا في ميراث أبيهم، وأضاعوا انجازاته الكبرى، التي تمثلت في اقامة دولة موحدة قوية ضمت مصر وبلاد الشام، حتى استطاع الملك العادل، اخو صلاح الدين، من اعادة الوحدة للدولة من جديد، وتنظيم أمورها، بالاستعانة بأبنائه. ولكن السلطان الكامل بن الملك العادل، فرط بالقدس، وسلمها الى الصليبيين، من خلال معاهدة يافا في الثامن عشر من شباط من سنة ١٢٢٩ للميلاد، التي تنازل فيها للغزاة الصليبيين عن بيت المقدس وبيت لحم والناصرة وصيدا، بقيادة الامبراطور الالماني فردريك. وإثر معاهدة يافا الذليلة والمخزية، عم الأسى والأسف والغضب المسلمين في كل مكان من أنحاء المعمورة، واقيمت المآتم في مدن العالم الإسلامي الكبرى.

وهكذا عادت بيت المقدس بعد أربعين عاماً من تحريرها على يد الناصر صلاح الدين الأيوبي أسيرة من جديد بيد الاحتلال الصليبي، جراء تخاذل واستخذاء الملك العادل، ولكن ذلك الاحتلال البغيض لم يدم طويلا، ذلك أن الملك الصالح نجم الدين أيوب، حاكم مصر، إستعاد المدينة المقدسة من يد الصليبيين الغزاة وأعادها الى حظيرة الاسلام في عام ١٢٤٤م، وظلت هذه المدينة المقدسة تحت الحكم الاسلامي حتى احتل اليهود القسم الغربي منها في نكبة سنة ١٩٤٨، وأتموا احتلال جزئها الشرقي في عدوان الخامس من حزيران من سنة ١٩٦٧.

وقد ظلت المدينة المقدسة منذ احتلالها سنة ١٩٦٧ في مقدمة اهتمام الدول العربية، وعلى رأس أولوياتها، الى أن رحل الرئيس العربي جمال عبد الناصر في الثامن والعشرين من أيلول من سنة ١٩٧٠، والذي رفض كل العروض الاسرائيلية للتنازل عن القدس والضفة الغربية، مقابل انسحاب اسرائيلي كامل وشامل من شبه جزيرة سيناء.

ولكن أنور السادات الذي خلف عبد الناصر في حكم مصر، تنازل في معاهدة الصلح المنفرد مع اسرائيل في «كامب ديفيد» عن الضفة الغربية والقدس، وأخرج مصر من معادلة الصراع العربي الاسرائيلي، وأقال مصر من زعامة العالم العربي، ما أتاح لإسرائيل أن تنفرد بالشعب الفلسطيني وبالقدس، وتعلنها «عاصمة أبدية موحدة» لاسرائيل.

ثم تتابعت الانهيارات العربية، وجاءت اتفاقية أوسلو بين منظمة التحرير الفلسطينية وحكومة اسرائيل في سنة ١٩٩٣، تلك الاتفاقية التي أجهضت الانتفاضة الأولى التي تفجرت عام ١٩٨٨، والتي أوقعت اسرائيل في أزمة لم تشهد مثيلا لها، وقد حفلت تلك الاتفاقية، الى جانب إجهاضها انتفاضة الحجارة، بالكثير من الأخطاء الكارثية، بل من الخطايا، ولعل أكبرها موافقة المفاوض الفلسطيني على تأجيل البحث في وضع القدس النهائي الى مرحلة لاحقة، وقد استغلت اسرائيل هذه الاتفاقية الكارثية لإحكام سيطرتها على القدس تماماً والمسارعة في تهويدها، مستغلة أحسن استغلال المفاوضات مع الجانب الفلسطيني، كستار لفرض الأمر الواقع في المدينة المقدسة، وهكذا مع مرور أكثر من عقدين من الزمن على إتفاقية أوسلو، إستطاعت اسرائيل إكمال مخططاتها التهويدية في المدينة المقدسة.

وزاد الطين بلة تواري الاهتمام العربي والاسلامي بالمدينة المقدسة، خاصة بعد مؤامرة «الربيع العربي» التي حاكتها المخابرات الأميركية بالتعاون مع المخابرات الاسرائيلية، ومخابرات دول عربية وغربية، حيث تم تدمير دول عربية رئيسية، خاصة سورية والعراق، على يد الجماعات الارهابية التكفيرية، من القاعدة والدواعش والنصرة ومن لفّ لفهم، الذين كانوا أسلحة الهدم والقتل والتفزيع والترويع، وتدمير مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في سورية، وقتل الكثير من اللاجئين، وإجبار كثيرين آخرين على الفرار بعيداً عن حدود الوطن فلسطين، في إجهاض حقيقي لحق العودة، وكان ذلك «الربيع العربي» المؤامرة بتمويل عربي سخي بلغ مليارات الدولارات، وبتخطيط ومشاركة أميركية وغربية واسرائيلية وأطراف عربية.

وبما أن التاريخ، عند العرب على الاقل، يعيد نفسه، فإن حكاماً عرباً يحذون حذو الملك الكامل في التنازل عن القدس، إرضاء للرئيس الأميركي ترامب، ويضغطون على القيادة الفلسطينية للتنازل عن المدينة المقدسة، مستخدمين سلاح الترغيب والترهيب، حيث يعرضون على القيادة الفلسطينية مليارات الدولارات للتنازل عن القدس، والقبول بقرية أبوديس عاصمة للدولة الفلسطينية، التي تتكون من معازل «كانتونات» وأجزاء منعزلة عن بعضها بعضا والترهيب بحصار القيادة الفلسطينية سياسياً ومالياً، ومن خلال التهديد بإيجاد قيادة بديلة ترضى بالتخلي عن القدس.

وقد تحدثت وسائل إعلام عربية مؤخراً عما سمي بخطة سلام أميركية، تتضمن إقامة «دولة» فلسطينية على نصف مساحة الضفة الغربية وكامل قطاع غزة. كما تتضمن إقامة «مدينة قدس جديدة للفلسطينيين». وهي كما تقول وسائل الاعلام تلك، بنتها اسرائيل من خلال تطوير مجموعة قرى وبناء أحياء جديدة، وأنه يمكن للفلسطينيين فعل نفس الشيء وبناء «قدسهم»، وأنه من هذا المنطلق جاءت فكرة ان تكون عاصمة الدولة الفلسطينية في بلدة أبوديس وضواحيها، مع إقامة ممر للفلسطينيين الى المسجد الاقصى المبارك، مع بقاء البلدة القديمة والاحياء المحيطة بها بما سمي «القدس الاسرائيلية»، ولا شك أن واشنطن أعدت خطة السلام هذه بالتعاون مع دول عربية من دول ما يعرف بـ «الاعتدال العربي».

وقد أشار الرئيس محمود عباس في خطابه أمام المجلس المركزي، الشهر الماضي، الى عرض عربي بالتخلي عن القدس، والقبول بأبوديس عاصمة للدولة الفلسطينية، كما أن العاهل الاردني الملك عبد الله الثاني قال الأسبوع الماضي أن الأردن يتعرض لضغوط اقتصادية لها علاقة بموقف الاردن من القدس، حيث قال: «ان رسائل وصلتنا مفادها «امشوا معنا في موضوع القدس، ونحن نخفف عليكم» ولم يوضح العاهل الاردني الجهة التي أرسلت الرسالة هذه، وإن كان مراقبون قالوا: إنه يشير الى السعودية.

وفي ذات الإطار، فإن الرئيس ترامب، قال خلال لقائه رئيس وزراء اسرائيل نتنياهو، على هامش مؤتمر دافوس الاقتصادي في سويسرا: «ان القدس باتت خارج المفاوضات»، وهكذا فإن هذه المدينة المقدسة، المرتبطة عقديا بالمسجد الحرام، وأولى القبلتين، وإحدى المساجد الثلاثة التي تشد إليها الرحال، وموطن الاسراء المعراج، غدت عند بعض العرب سلعة تعرض للبيع في سوق النخاسة، ابتغاء رضوان ترامب، الذي سبق أن باعها في سوق النخاسة أيضاً لإسرائيل.

وكما قيل في وعد بلفور المشؤوم: «أعطى من لا يملك لمن لا يستحق»، كذلك يقال في بيع القدس للاسرائيليين، من بعض العرب ومن ترامب: «تنازل من لا يملك لمن لا يستحق». وستبقى القدس رغم كل هذه التنازلات العربية المخزية الذليلة، إسلامية عربية، الى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وسيأتي اليوم الذي ستعود فيه المدينة المقدسة الى حظيرة الإسلام، طال الزمن أو قصر. وأما هؤلاء الذين يسارعون الى التنازل عنها، وبيعها في أسواق النخاسة، فسيطويهم التاريخ، ولن يذكروا، كما طوى التاريخ ذكر الملك الكامل الذي تنازل عنها للإمبراطور الألماني فردريك في «معاهدة يافا» المخزية. بينما ما زال التاريخ يذكر، وسيظل يذكر، الناصر صلاح الدين الأيوبي، بأحرف من نور على أنه محرر بيت المقدس من الغزاة الفرنجة.